إعـــــــلان

تقليص
1 من 2 < >

تنويه هام - خاص بساحات السياسة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



تم اخفاء ساحات السياسة بما انها كانت سبب في فرقة العديد من الاعضاء
ونتمنى عدم التحدث في السياسة في اي ساحة سواء العامة او غيرها
المنتدى منتدى تنموي ديني والالفاظ والكلمات التي استخدمت في ساحات السياسة
اصبحت لا تناسب المنتدى وهدفه .. وتم اتخاذ هذا القرار
في ضوء بقاء الحالة السياسية كما هي في بلادنا العربية
وفي ضوء استعدادنا لاستقبال شهر رمضان المبارك في الأيام القادمة
فكل عام وانتم بخير وبلغنا واياكم شهر رمضان الكريم نشكركم

ونتمنى لكم كل التوفيق

ادارة المنتدى

2 من 2 < >

انتظرونا بعد رمضان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انتظرونا بعد رمضان







مع تحياتي
المودريتور الاحمر

شاهد أكثر
شاهد أقل

'معجزات إلهية تحير العلماء ........سبحان الله !!!!'

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لغـز التـثاؤب
    MYSTERY OF YAWNING
    د. زهير جميل قزاز
    طبيب استشاري السكري، مشرف التخطيط والتطوير والبحوث
    بمستشفى النور التخصصي بالعاصمة المقدسة
    التثاؤب والتثاوب لغتان؛ وأشهرهما الأولى، وهي فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فمه. وهو فعل طبيعي من أفعال التنفس يشترك فيه الإنسان مع غيره من الكائنات؛ فالسمك، والطيور، والزواحف بل معظم الثدييات ومنها القطط تتثاءب، وفي الإنسان يبدأ التثاؤب في رحم الأم، ولا يتوقف إلا مع انتهاء العمر.
    وللتثاؤب عند المسلم آداب برع الهدي النبوي في وضعها وبيان حكمها في أحاديث؛ أحدها ما ورد في البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقٌّا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)، وتخلص الروايات المتعددة إلى آداب منها:
    (1) محاولة كظم التثاؤب ورده قدر الإمكان.
    (2) وضع اليد على الفم.
    (3) عدم قول: آه، آه.
    (4) عدم رفع الصوت بالتثاؤب.
    وأضيف التثاؤب إلى الشيطان لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون مع ثقل البدن واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد عنه ذلك وهو التوسع في الأكل، وما يكون معه من ميل إلى الكسل والنوم. وقد صرح العلماء بكراهة التثاؤب مطلقًا في كل حالة، وأنه غير مقيد بعبادة كصلاة وقراءة قرآن.
    والتثاؤب قد يكون تمهيدًا للنوم، وآية على الرغبة الدالة عليه، ولكنها ليست رغبة فيه. وهو عند الأطباء فعل من أفعال التنفس الذي يتم بطريقة رد الفعل! كغمض العين مثلاً، إذا رأت شيئًا سيصيبها، كما قد يكون مفيدًا للصحة (أو علامة اعتلال). ومن غرائبه تلك (العدوى النفسية) الموجودة فيه، فما إن يتثاءب شخص ما في مجلس، حتى تسري (العدوى التثاؤبية) إلى معظم الحاضرين (55%)، بل إن المتثائب الجيد يصيب سبعة آخرين بعدواه، فهل هناك فعلاً عدوى نفسية أم حقيقية؟، وهل يمكن اعتبار الأدب النبوي في ضبط تصرف (التثاؤب) تقليلاً من فرص تلك العدوى؟، وما هي الشواهد العلمية في أضرار الانسياق مع داعية التثاؤب، والحمد لله رب العالمين.
    الأحاديث والآثار
    لم يرد التثاؤب لفظًا أو معنى في آيات القرآن الكريم البتة، بينما ورد (النعاس) في موضعين هما: (.. أَمَنَةً نُّعَاسًا..) آل عمران ـ 154، و(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ..) الأنفال ـ 11(1)، وهو أي (النعاس) بحث سأتناوله لاحقًا إن شاء الله تعالى ــ لذا فسيكون مجال بحثي هو موضوع الإعجاز العلمي في السنة، لأن (التثاؤب) تناولته الأحاديث النبوية الشريفة فقط. ومن ذلك:
    1 ـ ما أورده الإمام النووي في باب (آداب التثاؤب) ولفظه: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الله يُحب العطاس، ويكره التّثَاؤُب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقٌّا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإنّ أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشـيطان) رواه البخاري(2). وموجز شرحه ما يلي: التثاؤب: بمثنّاة ثم مثلّثة وبعد الألف همزة، وجاء في مسلم: (إذا تثاوب) بالواو بدل الهمزة فمصدر التثاؤب بالواو، وقال السيوطي: قال غير واحد: إنهما لغتان والهمز والمد أشهر. (إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب) قال الخطابي: (معنى المحبة والكراهة فيهما يتصرف إلى سببهما، وذلك: أن العطاس يكون: عن خفة البدن وانفتاح المسام وعدم الغاية في الشبع، وهو بخلاف التثاؤب فإنه يكون عن غلبة امتلاء البدن وثقله مما يكون ناشئًا عن كثرة الأكل والتخليط فيه، والأول (العطاس) يستدعي النشاط والعبادة والثاني (التثاؤب) عكسه.
    (وأما التثاؤب): بالواو في الأصول المصححة. والتثاؤب معروف، والاسم الثؤباء، وإنما جعله من الشيطان كراهة له، لأنه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وميله إلى الكسل والنوم.
    وأضافه إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى إعطاء النفس شهوتها، وأراد به التحذير من السـبب الذي يتولد منه وهو الشبع المثقل عن الطاعات) أ.هـ. ملخصًا من النهاية. قال العيني في شرح البخاري: (التثاؤب هو: النّفَس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المختلفة في عضلات الفك) أ.هـ. (فإنما هو من الشيطان) قال ابن بطال: (إضافته إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة: أي أن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثاوبًا لأنها حالة تتغيّر فيها صورته فيضحك منه. وليس المراد أن، (الشيطان نفس التثاوب). وقال ابن العربي: بيتاً أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملَك لأنه واسطته). قال: (والتثاوب من الامتلاء، وينشأ عن التكاسل وذلك الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط وذلك بواسطة الملَك). وقال المصنف: (أضيف التثاؤب إلى الشيطان لأنه يدعو إلى الشهوات إذ يكون من ثقل البدن واسترخائه وامتلائه. والمراد التحذير من السبب الذي يتولد عنه ذلك وهو التوسع في الأكل. (فإذا تثاءب): بالهمزة كما قاله السيوطي قال: وروى مسلم؛ أي في حديث آخر: تثاوب بالواو. (أحدكم فَليَرُدّه): بالحركات الثلاث في آخر الفعل والضم إتباعٌ لحركة الضمير (ما استطاع) أي قدر استطاعته وذلك بإطباق فيه، فإن لم يندفع بذلك فبوضع اليد عليه. (فإذا تثاءب ضحك الشيطان منه) فرحًا بذلك لما فيه من تغير صورة الإنسان ودخوله في فيه. وأشار ابن بطال إلى أن الشيطان يضحك حينئذ من جوفه(3).
    2 ـ عن أبي سعيد الخدريّ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا تثاءب (تثاوب) أحدكم فليمسك بيده على فيه (فمه)، فإن الشيطان يدخل فيه) رواه مسلم. أشار السيوطي في الجامع الصغير إلى أن البخاري أخرجه أيضًا. وموجز شرحه ما يلي: (أحدكم فليمسك بيده على فيه (فمه) وذلك كراهية صورة التثاؤب المحبوبة للشيطان. (فإن الشيطان يدخل فيه): أي في الإنسان عند انفتاح فمه حال التثاؤب فيمنعه من ذلك بوضع اليد على الفم سَدٌّا لطريقه ومبالغة في منعه وتعويقه(4،5).
    3 ـ وقد أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: (فإن الشيطان يدخل من التثاؤب).
    4 ـ وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: (إذا تثاوب أحدكم فليضع يده على فيه، ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه).
    5 ـ ويُذكر عنه ـ صلى الله عليه وسلم: (أن التثاؤُب الشديد، والعَطسة الشديدة. من الشيطان).
    6 ـ ويُذكر عنه ـ صلى الله عليه وسلم: (أن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤُب والعُطاس).
    7 ـ (فائدة) أخرج ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم قال: (ما تثاءب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قط).
    8 ـ وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبدالملك بن مروان قال: (ما تثاوب نبي قط)، قال السيوطي: ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق(6).
    اللغة والتعريف
    اللغة: التثاؤب والتثاوب. لغتان أشهرهما الأولى. والمعنى الاصطلاحي في هذا لا يخرج عن المعنى اللغوي. المصباح المنير: مادة (ثوب) التثاؤب ـ التثاوب(7). وللتثاؤب في تعريفه العلمي صيغ عديدة منها:
    (1) فتح الفم واسعًا من غير إرادة، وهو ظاهرة فطرية تعتري الإنسان عن كسلٍ أو نعاسٍ.
    (2) أن التثاؤب وظيفة طبيعية تشير في الواقع إلى زيادة في النشاط، أو حتى إلى رغبة دفينة في تغيير الموضوع، وفق اعتبار باحث فرنسيّ.
    (3) أن التثاؤب يعني نوبة قوية في دورة التنفس، يكون فيها حجم فتحة البلعوم أكبر بأربع مرات من حجمها في الأوقات العادية(8).
    الآداب والأحكام، ومنها العين
    حكمه التكليف: صرح العلماء بكراهة التثاؤب مطلقًا في كل حالة، كونه من الشيطان. قال ابن العربي: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة لأنها أولى الأحوال بدفعه لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة، واعوجاج الخلقة(9،7).
    التثاؤب في الصلاة: مكروه، وهذا إذا أمكن دفعه، فإذا لم يمكن دفعه فلا كراهة، وهو رأى الحنفية والشافعية. ولا شيء فيه عند المالكية والحنابلة.
    التثاؤب في قراءة القرآن: ينبغي أن يمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب، ثم يقرأ، لئلا يتغير نظم قراءته (9،10).
    ومجموعة الأحاديث تظهر أن من آداب التثاؤب ـ المطلق والعباديّ الأفعال التالية:
    • <LI dir=rtl>üكظم التثاؤب ما استطاع، كأن يطبق شفتيه أو نحو ذلك.
      <LI dir=rtl>üيغطي فمه بيده اليسرى، وقيل: بإحدى يديه.
      <LI dir=rtl>üيقوم مقام اليد كل ما يستر الفم كخرقة أو ثوب مما يحصل به المقصود.
      <LI dir=rtl>üيخفض صوته.
      <LI dir=rtl>üلا يعوي، ولا يقول آه، آه، ثم:
    • üيمسك عن التمطي والتلوي الذي يصاحب بعض الناس، لأنه من الشيطان. وقد روي: (أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لا يتمطى، لأنه من الشيطان).
    وقد يكون التثاؤب من أعراض العين وقت القراءة:
    حيث إن كثيرًا من الناس يصابون بالعين وهم لا يعلمون، لأنهم يجهلون أو ينكرون تأثير العين عليهم. فإن أعراض العين في الغالب تكون كمرض من الأمراض العضوية إلا أنها لا تستجيب إلى علاج الأطباء.
    كثرة التثاؤب المصحوب بالدموع: أما في غير وقت الرقية فليس التثاؤب بدليل كافٍ على العين، يقول الشاعر:
    ولما أبـت عينـاي أن تمـلـك البكا
    وأن تحبسـا مسـح الدموع السواكبِ
    تثـاءبتُ كي لا يُنكـر الدمعَ منكـرٌ
    ولكـن قليـلاً ما بقـاء التثـاؤب
    التثاؤب والنعاس والرغبة في النوم:
    يشعر المعيون بالرغبة بالتمغط. كالذي يفعله الإنسان عندما يستيقظ من النوم، وأحيانًا يكون التمغط لعضو واحد كاليد اليمنى أو اليسرى.
    إذا كانت العين مصحوبة بالمس فقد تظهر أعراض العين وأعراض المس في آن واحد.
    وقد يكون التثاؤب الشديد المتكرر وقت القراءة الذي يصاحبه صوت مرتفع من أعراض المس، وكذلك للنوم العميق(11).
    الدراسات والمعلومات، ومنها العدوى
    تعددت الدراسات عن التثاؤب باحثة عن أسبابه وفرضيات حدوثه، وفوائده وما ينتج عنه. ويكفينا منها هنا بعض الإشارات، فالتفصيل في ذلك، لا يخدم مجال بحثي الإعجازي(12،16).
    من المعلوم أنّ فعل التثاؤب يُشرك معه عدة أجزاء من الجسم:
    فالفم ينفتح، والفكّان يفترقان، مهيئة لشهيق كثير من الهواء، والذي بدوره يمدّد الرئتين، فتنشد عضلات البطن دافعة بالحجاب الحاجز باتجاه القدمين. ثم يتلو ذلك، زفير بعض من الهواء. (لا يوجد ما هو عالمي وموحد أكثر من عملية التثاؤب)، وهو فعل طبيعي من أفعال التنفس يشترك فيه الإنسان مع غيره من الكائنات.
    فالسمك، والطيور، والزواحف، بل معظم الثدييات، ومنها القطط تتثاءب.
    وفي الإنسان يبدأ التثاؤب في رحم الأم ولا يتوقف إلا مع انتهاء العمر. لكن ثمة حالات معينة (طبيعية أو مرضية) تولد أو تتسبب في التثاؤب أكثر من غيرها.
    فمن الطبيعية: الحمل عند النساء، والشعور بالشبع، أو في فترة الصيام. إضافة إلى اختيار الوقت غير المناسب للتنقل والشعور بالغثيان. ومن المرضية: ما لاحظه أوليفيه فالوسينسكي؛ وهو طبيب خبير في موضوع التثاؤب ـ بعد عدة تجارب. فقد اعتبر التثاؤب الذي يوقظ الخلايا العصبية له علاقة أيضًا بالتفاعل الكيميائي داخل الدماغ. فهو عبارة عن ردة فعل مثارة نتيجة حدوث انخفاض في قوة العضلات. فمرضى الشلل الرعاش (الباركنسون) الذين يعانون من خلل في مادة الدوبامين لا يتثاءبون. في حين أن بعض المكتئبين الذين يُعالجون بأدوية تضاعف إفـراز السيروتينين، وهي مادة تولدها بعض خلايا الأمعاء، يصابون بنوبات قوية من التثاؤب لا يمكن وقفها(16).
    وليس بكثير معلوم يجيب عن التساؤل: لماذا نتثاءب؟ أو ما الذي يجعلنا نتثاءب؟، ومع أن قليلاً من البحوث عُملت في هذا الموضوع، للإجابة على ما سبق، إلا أنها جميعها تستند على نظريات عدة أشهرها ثلاثة(12،13):
    1 ـ النظرية التلقائية (الفسيولوجية): والتي تقول بأن الجسم يُحدث التثاؤب ليتمكن من جلب المزيد من الأكسجين أو طرد ما يتراكم من ثاني أكسيد الكربون. لكن صواب هذه الفرضية لا يتوافق مع ملاحظة أننا نتثاءب أثناء التمارين الرياضية، وقد اختبرت هذه الفرضية من العالم النفسي: روبرت بروفين من جامعة ميريلاند وأحد خبراء التثاوب، ووجد أن إعطاء مزيد من الأكسجين لمجموعة من الناس لا ينقص (التثاؤب)، كما أن إنقاص كمية ثاني أكسيد الكربون في بيئة تنفس هؤلاء الناس لم يمنع حدوث (التثاؤب). كما أن هذا الأمر لا ينطبق على الأجنة فقد كشف التصوير السمعي أن الأجنة بدءًا من الشهر الثالث تتثاءب لدرجة يخال فيها المرء أن فكّها سينتزع من مكانه! وعلى الرغم من ذلك فإن الجنين لا يسحب أدنى جزئية من الأوكسجين.
    2 ـ نظرية التطور: حيث يفكر البعض بأن التثاؤب بدأ مع آبائنا وأجدادنا والذين اعتادوا استخدامه (أي التثاؤب) لإظهار أسنانهم والحميميّة مع الآخرين. وتتفرع فكرة من هذه النظرية تقول: بأن التثاؤب تطور منذ الإنسان الأول كعلامة لنا لتغيير النشاطات.
    3 ـ نظرية السآمة (الضجر، التبرم): يذكر في المعاجم العربية والإنجليزية أن التثاؤب يتسبب من السآمة، أو التعب. أو النعاس. وعلى الرغم من أننا نميل إلى النعاس عندما نسأم أو نتعب، إلا أن تلك النظرية لا تفسر لماذا يتثاءب رياضيو الأولمبياد مباشرة قبل إكمالهم هذه المناسبة (المسابقات). حيث يشك بأنهم سئموا من مشاهدة العالم لهم!!.
    وعن عدد المرات وأوقات التثاؤب ودلالته الطبيعية والمرضية، يقول الطبيب الباحث فالوسنسكي: إن (90%) من البشر يؤكدون أنهم يتثاءبون بين مرة إلى (15) مرة يوميٌّا، وعندما يتخطى العدد العشرين مرة، فهذا يعني أن المتثائب يعيش كمن أصيب بإعاقة ليست على الصعيد الجسدي أو الطبي، إنما على صعيد المجتمع. ويتراوح عدد التثاؤبات بين (5) و(6) في الدقيقة الواحدة، وفي حالة زاد العدد عن وتيرته المعتادة فقد يشير ذلك إلى وجود مشكلات في الجهاز العصبي. وطبيعيٌّا (غير مرضي) يبلغ التثاؤب ذروته في أوقات محددة. لقد اعترف (75%) ممن شملتهم الدراسة بأنهم يتثاءبون كثيرًا في الصباح في أثناء تمددهم، وقال (50%): إنهم يتثاءبون في نهاية النهار، في حين أن أكثر من (30%) يفعلون ذلك بعد الأكل. وفي الواقع، يبدو أن الجميع يتثاءب في الصباح وعند الظهر وفي المساء(16).
    ومن الحقائق اللطيفة في موضوع التثاؤب ما يلي(12):
    • <LI dir=rtl> تستغرق التثاؤبة الواحدة (6) ثوان.
      <LI dir=rtl> يزداد معدل نبض القلب بمقدار (30%) خلال التثاؤبة الواحدة.
      <LI dir=rtl>يتثاءب (55%) من الناس خلال (5) دقائق من رؤيتهم لشخص يتثاءب.
      <LI dir=rtl> يتثاءب كفيف البصر أكثر عند سماعه لشريط فيه تثاؤب الآخرين.
      <LI dir=rtl> القراءة عن التثاؤب سيجعلك تتثاءب.
    • يعتاد رياضيو الأولمبياد التثاؤب قبل بدء المنافسة.
    فوائده:
    ويعتقد أن للتثاؤب بعض الفوائد، فهو يجبر المرء على استنشاق كمية إضافية من الهواء، ونتيجة ذلك يتفتّح المزيد من الحويصلات الرئوية والتي لا تنفتح بالتنفس العادي، وبهذا يجدّد الهواء في تلك الحويصلات وينشط عملها.. كما أن التثاؤب يعصر كيسي الدمع الملتحقين بالعينين عصرًا قويٌّا فيجدد ما فيهما من مفرزات، ويطرد ما قد يكون تراكم فيهما من أملاح، وبهذا يمنع انسداد قنوات الدمع.. وربما كانت للتثاؤب فوائد أخرى ما زلنا نجهلها!؟.
    وأختم الفوائد بقول أبقراط (أبي الطب) الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما طرح على نفسه السؤال: (لماذا نتثاءب؟)
    فأجاب: (إن التثاؤب يطرد الهواء الملوث من الرئتين، ويعيد تدفق الدم نحو الدماغ)(15).
    العدوى التثاؤبية:
    ومن غرائب التثاؤب تلك العدوى (ربما، النفسية) الموجودة فيه!. فما إن يتثاءب شخص ما في مجلس، حتى تسري (العدوى التثاؤبية) إلى معظم الحاضرين!. فهل هناك فعلاً عدوى؟.
    وما قصة هذه العدوى؟، ثمة قول مأثور يؤكد أن المتثائب الجيد يصيب سبعة آخرين بعدواه، وقد تمكن الأمريكي روبرت بروفين، أستاذ علم النفس في جامعة ماريلاند، من تثبيت هذا القول عبر سلسلة من التجارب أجراها على طلابه، لقد أرغمهم على مشاهدة شريط فيديو عن التثاؤب ودوّن ملاحظاته. فتبين له أن الرؤية تؤدي دورًا أساسيٌّا في نقل العدوى. بيد أن مشاهدة فم يتثاءب لا يثير أي ردّة فعل عند الآخر، إذا كان باقي وجه المتثائب مغطى بقناع. ومن المعروف أيضًا أن الأطفال وقبل سن العامين، لا يتأثرون بتثاؤب الآخرين.
    والسبب يعود إلى أن (العدوى) تنتقل من خلال الفص الجبهي غير المتكون بعد عند الأطفال في تلك السن (14،15).
    أوجه الإعجاز والخلاصة
    أوجه الإعجاز:
    ظننت أن اختياري لباب الإعجاز سيكون طارئًا وموجزًا، عندما اخترت موضوع (التثاؤب)، فهو ببساطة سلوكٌ محمودٌ يوجه المرء (المسلم) بوضع اليد على الفم ليمنع دخول الشيطان. لكن مثلي المبتدئ فتح عَلَيّ ـ هذا البحث ـ آفاقًا وأبوابًا متشعبة وبحوثًا ممتدة.
    وليست طارئة، وأسأل الله تعالى أن يعينني على إتمامه بالصورة الإعجازية المناسبة دونما إخلال أو تقصير.
    لقد جمعت في بحثي عددًا من الألفاظ النبوية، والشروحات السلفية، والمشاهدات النفسية والتجارب العلمية، مما استطعت جمعه ودراسته منذ بدء اهتمامي بالموضوع (20 شعبان 1424هـ)، ويظهر لي أنه يوضح الجوانب التالية:
    1 ـ أن التثاؤب أمر فطري في البشر، كالأكل، والشرب، وقضاء الحاجة.
    2 ـ أن الإسلام (الهدي النبوي)، لم يترك أمرًا صغيرًا أو كبيرًا إلاّ عالجه وبيّنَ حكمته وحُكمه في الإجمال، وهو دليل شمولية الإسلام.
    3 ـ أن التثاؤب يطرأ على الإنسان المسلم في حالة عبادته، وفي مطلق أوقاته الأخرى، وكلتا حالتيه لها آداب واحدة وإشارات واضحة.
    4 ـ أن التثاؤب قد يكون مفيدًا للصحة أو علامة اعتلال، وقد يكون دلالة على نعاسٍ أو كسل أو امتلاء.
    5 ـ أن الهدى النبوي في آداب التثاؤب قد يدل على التالي:
    أ ـ دلالة إيمانية غيبية:
    لحبس دخول الشيطان في جوف المتثائب، كجولات الإنسان مع الشيطان حال المبيت، والعشاء، والنوم.. إلخ. وعلينا تصديقها والإيمان بها فقط دون تعليلها.
    ب ـ دلالة اجتماعية سلوكية:
    للتقليل من إشاعة المظهر والسلوك غير المستحسن في المجتمع المسلم (إتيكيت)، كإظهار باطن الفم لدى المتثائب، ونشر دواعي الكسل والاسترخاء في المجتمع المتثائب. والمجتمع المسلم، يفترض أن تغلب عليه مظاهر النشاط والحيوية، والجد والاجتهاد. فإن كان لابد منه (فطريٌّا)، فلا أقل من التقليل من أثره بسلوك الهدى النبوي في ذلك.
    ج ـ دلالة علمية إعجازية:
    فكون التثاؤب له صفة (العدوى)، فقد يكون من دلالات الأدب النبوي في التثاؤب ما يوحي بأن محاولة دفع التثاؤب ما أمكن، وتغطية الفم، قد يقلل من فرص حدوث العدوى بين الحاضرين. وهذه الدلالة لم أعثر عليها، بعد، في المراجع الغربية، كما لم أستدل على بعض الشواهد العلمية في أضرار الانسياق مع داعية التثاؤب، غير ما ذكرت من (عدواه). ولم تظهر الدراسات أيضًا، (السلوك العلمي) المطلوب لدفع دواعيه. وهو مجال التوسع في هذا البحث مستقبلاً ـ إن شاء الله تعالى.
    6 ـ لم يتبين لنا، طبيعة العدوى في التثاؤب، هل هي عدوى نفسية، تتأثر بالرؤية والسماع؟ أم هي عدوى حسيّة لا نعرف كنهها حتى الآن تُخل بنسبة العلاقة بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، أو الضغط ونحوه المحيط بالفم المتثائب؟، وبالتالي ما أثر السلوك النبوي بوضع اليد على الفم، في ذلك.
    7 ـ وأخيرًا: وليس آخرًا، هل للتثاوب علاقة مباشرة بمستوى الإيمان والصلة بالله تعالى؟ فكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأنبياء ـ عليهم السلام ـ لم يتثاءبوا، وكونه يكره في الصلاة وقراءة القرآن، وكونه يحتاج إلى التخفيف من أسبابه كالامتلاء، وكونه يحتاج إلى مغالبة ومران، وذكر الشيطان في شأنه، مع تأمل آية مثل (وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا..)، وحديث مثل: (أكمل المؤمنين إيمانًا..)، كل تلك أسئلة وغيرها لم أصل إلى جوابها بعد، وتحتاج إلى بحث مزيد.
    الخلاصة
    اجتهدت كباحث مبتدئ في علوم الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة، أن أتناول موضوع الإعجاز العلمي في السنّة. فوقع اختياري على موضوع (التثاؤب). واستهدفت من بحثي بيان وجه الإعجاز النبويّ ودلالته من زاوية بيان الحكمة من ذكر الآداب والسلوك النبوي المطلوب للمسلم المؤمن عند حدوث (التثاؤب) الذي هو أمر فطري وطبيعي في عموم البشر. ولكون التثاؤب له صفة (العدوى)، فقد يكون للإرشاد النبوي المفصل عند الأخذ به، في الحالات العباديّة والمطلقة، حكمة علمية تخفف من عدواه وإشاعته في المجتمع. مع ما فيه من حكم اجتماعية سلوكية، وحقائق إيمانية غيبيّة كحبس دخول الشيطان للفم. هذا اجتهادي وجهدي، وما توفيقي. إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. والحمد لله رب العالمين. انتهى.
    لا إله إلا الله

    تعليق


    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      الرقم سبعة يشهد على عظمة القرآن
      www.55a.net


      الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
      أيها الإخوة والأخوات: سوف نعيش في هذا البحث مع اكتشاف جديد في معجزة القرآن العظيم. فبعد دراسة في آيات القرآن الكريم استغرقت عشر سنوات تبيَّن لي أن القرآن يحوي منظومة رقمية تشهد على عظمة هذا الكتاب، وتثبت لكل من في قلبه شك أن القرآن كتاب الله تعالى وأن الإسلام رسالته الخالدة. ويعتمد هذا الاكتشاف على الرقم سبعة ومضاعفاته، وفي هذا دليل مادي على أن الذي خلق السَّموات السَّبع هو الذي أنزل هذا القرآن.
      أيها الإخوة: إن القرآن نزل من أجل هداية البشر، ولكن الهداية تتخذ أسباباً، وقد تكون المعجزة أحد أهم هذه الأسباب. فمن منا لا يذكر قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، عندما سمع آياتٍ من سورة (طه)، فأثّرت فيه بلاغة معانيها، وعظمة كلماتها، وروعة أسلوبها، وأدرك من خلال هذه البلاغة أن القرآن هو كلام الله عزَّ وجلَّ، فانقلب من الشِّرك والضلال إلى التوحيد والإيمان!
      وعندما جاء عصر المكتشفات العلميّة تمكّن العلماء حديثاً من كشف الكثير من أسرار هذا الكون، وكان للقرآن السّبْقُ في الحديث عن حقائق علمية وكونيَّة لم يكن لأحدٍ علم بها وقت نزول القرآن. وربما نسمع من وقت لآخر قصة إسلام أحد العلماء الغربيين بسبب إدراكه لآية من آيات الإعجاز العلمي في كتاب الله تبارك وتعالى. وهكذا كانت المعجزة العلمية سبباً في هداية من فهمها وأدركها.
      ولكننا اليوم ونحن نعيش عصراً جديداً يمكن تسميته "عصر التكنولوجيا الرقمية" يمكننا القول بأن معجزة القرآن اليوم تتجلى بشكلها الرقمي لتناسب هذا العصر، وقد تكون سبباً في هداية كثير من الملحدين الذين لا يفقهون إلا لغة المادة والأرقام.
      سوف نعيش الآن مع حقائق رقمية مذهلة تتجلى في كتاب الله تعالى لتشهد على صدق هذا الكتاب العظيم وتبرهن لكل من في قلبه شك أن القرآن كتاب الله وأن الله قد حفظه من التحريف أو التبديل.
      الله ... واحد
      من عجائب القرآن أن الاسم الأكثر تكراراً في القرآن هو (الله)! والرقم الأكثر تكراراً في القرآن هو (واحد)!! وكأن الله تعالى يريد أن يعطينا إشارة لطيفة ومن خلال هذا التكرار إلى أن الله واحد!
      إذن هذه إشارة خفية من الله تعالى إلى أن كل كلمة من كلمات القرآن تتكرر بنظام محسوب، فليس عبثاً أن نجد الاسم الأكثر تكراراً في كتاب الله هو (الله)، لأننا لو فتشنا في جميع ما كتبه البشر منذ آلاف السنين وحتى يومنا هذا، فلن نجد كتاباً واحداً يكون فيه الاسم الأكثر تكراراً هي اسم مؤلف ذلك الكتاب!
      الكون والقرآن .... تطابق مذهل
      هنالك الكثير من الإشارات القرآنية التي تُظهر وجود تناسق رقمي لكلمات القرآن، فلو تأملنا آيات القرآن الكونية والتي تتحدث مثلاً عن الليل والنهار والشمس والقمر، نلاحظ أن هذه الكلمات تأتي دائماً على هذا الترتيب، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: 33].
      لقد تأملتُ هذا الترتيب طويلاً ووجدتُ فيه إشارتين، الأولى كونية والثانية رقمية. فعلماء الفلك يؤكدون اليوم أن الليل خُلق قبل النهار، لأن الكون قد مرَّ بعصر مظلم في بدايه نشوئه. ويؤكدون أيضاً أن الشمس خُلقت قبل القمر.
      وهنا ندرك أن ترتيب هذه الكلمات في القرآن جاء مناسباً لترتيب خلقها! وهذه الحقيقة الكونية لم تكن معلومة زمن نزول القرآن، ولم تُعرف إلا منذ سنوات قليلة، ولذلك فإن هذا الترتيب يمثل سبقاً علمياً للقرآن الكريم في علم الفلك.
      أما المعجزة الرقمية، فعندما تأملت هذه الكلمات الأربع أي (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وقمتُ بإحصاء عدد مرات تكرار كل منها، وجدتُ أن كلمة (الليل) هي الأكثر تكراراً بين هذه الكلمات، وتليها كلمة (النهار)، ثم تليها كلمة (الشَّمس)، ثم تليها كلمة (القَمَر).
      وهنا ندرك أن ترتيب الكلمات في القرآن جاء مناسباً لعدد مرات ذكرها في القرآن، وهذا تناغم عجيب بين ترتيب الكلمات وتكرارها في القرآن من جهة، وبين ترتيب الكلمات وترتيب خلقها في الكون من جهة ثانية، وهذا دليل على أن خالق الأكوان هو نفسه منزِّل القرآن!
      أصحاب الكهف
      ذات مرة قرأت مقالة لأحد الملحدين يدَّعي فيها أن القرآن مليء بالأساطير والخرافات ويستشهد على ذلك بقصة أصحاب الكهف، ويقول: لا يعقل أن ينام أشخاص مئات السنين ثم يستيقظوا، لذلك فإن القرآن حسب وجهة نظره ليس صحيحاً.
      وهذا ما دفعني للبحث في هذه القصة عن معجزة رقمية تتعلق بالعدد 309، الذي يمثل عدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف. وكان سرّ هذه المعجزة يكمن في كلمة (لَبِثُوا)، هذه الكلمة تدلُّ على المدة التي لبثَها أصحاب الكهف وهي 309 سنوات، ويمكن أن نقول: لَبِثُوا = 309.
      تبدأ هذه القصة بقوله تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) [الكهف: 10-13]. وتنتهي عند قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) [الكهف:25-26].
      والآن لو تأملنا هذه القصة فإننا نجد أن كلمة (لَبِثُوا) تتكرر في بداية القصة وفي نهايتها. ولذلك فقد فكرتُ أن أقوم بعدّ الكلمات من كلمة (لَبِثُوا) الأولى وحتى كلمة (لَبِثُوا) الأخيرة، وكانت المفاجأة، أنني وجدتُ عدد الكلمات بالتمام والكمال هو 309 كلمات، بعدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف! والعجيب جداًً أن عبارة (ثَلَاثَ مِئَةٍ) في هذه القصة جاء ترتيبها 300، وهذه إشارة من الله تعالى تدل على أن كل كلمة من كلمات القرآن جاءت في الموضع الدقيق.
      الرقم الأكثر تميزاً في القرآن والسنة
      عندما نتأمل أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، نلاحظ أنه أعطى أهمية كبيرة لهذا الرقم. يقول صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..)، ويقول أيضاً: (اجتنبوا السَّبع الموبقات...). ويقول: (إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف)، ويقول: (أُمرت أن أسْجُدَ على سَبْعَةِ أَعْظُم).
      كما أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام تحدث عن مضاعفات الرقم سبعة، فقال: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف) والعدد سبع مئة من مضاعفات الرقم سبعة، ويقول أيضاً: (ما من عبدٍ يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعَدَ الله بذلك اليوم وجهَهُ عن النار سبعين خريفاً) والعدد سبعين من مضاعفات الرقم سبعة.
      لا مصادفة في كتاب الله
      1- يعتقد البعض بأن ما نراه من تناسقات عددية إنما هو من قبيل المصادفة، ولذلك يجب أن ندرك أنه لا مصادفة في كتاب الله تعالى بل إحكام وإعجاز. فلو تأملنا القرآن نلاحظ أن أول رقم ذُكر في القرآن هو الرقم سبعة، ولو تأملنا الكون نلاحظ أن كل ذرة من ذراته تتألف من سبع طبقات.
      2- فعندما يخبرنا الله تعالى أن عدد السموات سبعاً، ثم نجد أن ذكر السَّموات السَّبع قد تكرر في القرآن بالضبط سبع مرات، عندها ندرك أن هذا التناسق لم يأتِ عبثاً، إنما هو بتقدير من الله تعالى.
      3- وعندما يخبرنا ربنا تبارك وتعالى أن عدد أبواب جهنم هو سبعة، ثم نكتشف أن كلمة (جهنَّم) تكررت في القرآن عدداً من المرات هو من مضاعفات الرقم سبعة، إذن لابد أن يكون من وراء ذلك حكمة، وهي أن الذي جعل لجهنم سبعة أبواب هو الذي أنزل هذا القرآن وأحكم كلماته بهذا التناسق العجيب.
      4- وقد تكون الحكمة من هذا الرقم هي أن ندرك عظمة الخالق سبحانه وتعالى وقدرته في خلقه وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق: 12].
      5- وعندما نتأمل أول مرة وآخر مرة ذُكر فيها الرقم سبعة في القرآن نجد أن هذا الرقم يُذكر للمرة الأولى في سورة البقرة في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وآخر مرة ورد فيها الرقم سبعة نجده في سورة النبأ في قوله تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً).
      فلو قمنا بعدّ السور من سورة البقرة إلى سورة النبأ، أي من السورة التي ذُكر فيها الرقم سبعة لأول مرة وحتى السورة التي ذُكر فيها الرقم سبعة لآخر مرة، وجدنا بالضبط سبعاً وسبعين سورة، وهذا العدد من مضاعفات الرقم سبعة، فهو يساوي سبعة في أحد عشر.
      ولو قمنا بعدّ الآيات من الآية الأولى أي من قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) إلى قوله تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً) وجدنا خمسة آلاف وست مئة وتسع وأربعون آية، وهذا العدد من مضاعفات الرقم سبعة أيضاً.
      ولو قمنا بعدّ الآيات التي تسبق الآية الأولى لوجدنا 28 آية، ولو قمنا بعدّ الآيات التي تلي الآية الأخيرة لوجدنا 28 آية أيضاً، والعدد 28 من مضاعفات الرقم سبعة.
      وسبحان الله! كيف يمكن أن تأتي المصادفة بنظام بديع كهذا؟ الرقم سبعة يذكر للمرة الأولى في سورة البقرة ويذكر للمرة الأخيرة في سورة النبأ، ويأتي عدد السور من مضاعفات الرقم سبعة، وعدد الآيات من مضاعفات الرقم سبعة، وعدد الآيات التي تسبق الآية الأولى من مضاعفات السبعة، وعدد الآيات التي تلي الآية الأخيرة من مضاعفات السبعة! فأي إنسان عاقل يمكن أن يصدق بأن المصادفة هي التي جاءت بمثل هذا التناسق المحكم؟!
      حقائق تتجلى في أعظم سورة!
      أيها الأحبة: إنها أول سورة وأعظم سورة وهي أمُّ القرآن، إنها سورة الفاتحة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه). وقد اخترنا هذه السورة لأنها مفتاح الإعجاز في كتاب الله تعالى. فإذا ما تأملنا اسم هذه السورة (السَّبع المثاني) وجدناه يتألف من كلمتين، (السَّبع): وتتضمن هذه الكلمة إشارة للرقم سبعة، و(المثاني) وتتضمن هذه الكلمة إشارة إلى التثنية والتكرار، تقول العرب ثنَّاه أي جعله اثنين، وجاؤوا مثنى: أي اثنين اثنين، كما في القاموس المحيط. وقد يكون في هذا الاسم إشارة لوجود نظام يقوم على الرقم سبعة ومكرراته، وهذا ما سنلمسه من خلال الحقائق الرقمية الآتية.
      الحقيقة الأولى
      لقد سمَّى الله تبارك وتعالى سورة الفاتحة بالسبع المثاني، وجاء عدد آيات السورة مساوياً سبع آيات، إذن هنالك تناسق بين اسم السورة وعدد آياتها. ولو عددنا الحروف التي تتألف منها سورة الفاتحة وجدنا 21 حرفاً (عدا المكرر) أي من مضاعفات الرقم سبعة.
      الحقيقة الثانية
      بما أن الله تعالى هو من أنزل هذه السورة فهل أودع فيها ما يدل على أن هو قائل هذه الكلمات؟ من أعجب التوافقات مع الرقم سبعة أن عدد حروف اسم (الله) في سورة الفاتحة هو "سبعة في سبعة"! فاسم (الله) مؤلف من ثلاثة حروف ألفبائية، هي الألف واللام والهاء، وإذا قمنا بعدّ هذه الحروف في سورة الفاتحة وجدنا حرف الألف يتكرر 22 مرة، وحرف اللام يتكرر 22 مرة أيضاً، أما حرف الهاء فقد تكرر 5 مرات، ومجموع هذه الأعداد هو 49 حرفاً:
      49 = 7 × 7
      وكأن الله تبارك وتعالى يريد أن يعطينا إشارة لطيفة إلى أنه هو من أنزل هذه السورة ولذلك سمَّاها بالسبع المثاني، وجعل عدد حروف اسمه فيها مساوياً سبعة في سبعة، فتأمل هذا التناسق المحكم!
      الحقيقة الثالثة
      هنالك آية تتحدث عن سورة الفاتحة هي قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)، هناك تناسق سباعي بين كلمات سورة الفاتحة وكلمات الآية التي تتحدث عن سورة الفاتحة، فعدد كلمات سورة الفاتحة هو 31 كلمة، وعدد كلمات الآية التي تحدثت عن سورة الفاتحة هو 9 كلمات، ويكون العدد الناتج من صفّ هذين الرقمين 931 من مضاعفات الرقم سبعة مرتين.
      931 = 7 × 7 × 19
      لقد أراد الله لهذه الآية أن تكون في سورة الحجر، وسورة الحجر تبدأ بالحروف المقطعة (الـر)، ولو بحثنا عن تكرار هذه الحروف في الآية لوجدنا حرف الألف يتكرر 7 مرات، وحرف اللام يتكرر 4 مرات، وحرف الراء يرد مرة واحدة. والعجيب أن العدد الناتج من صف هذه الأرقام هو 147 من مضاعفات الرقم سبعة مرتين أيضاً.
      147 = 7 × 7 × 3
      والأعجب من ذلك أن الحروف ذاتها في سورة الفاتحة تتكرر بنظام مماثل! فحرف الألف تكرر في سورة الفاتحة 22 مرة وحرف اللام تكرر 22 مرة أما حرف الراء فقد تكرر 8 مرات. وعند صفّ هذه الأرقام نجد عدداً من مضاعفات الرقم سبعة مرتين.
      82222 = 7 × 7 × 1678
      والسؤال: أليست هذه معجزة تستحق التدبّر والتفكر؟
      الحقيقة الرابعة
      في سورة الفاتحة لدينا سبع آيات، وكل آية خُتمت بكلمة محددة، وهذه الكلمات هي:
      (الرَّحِيمِ، الْعَلَمِينَ، الرَّحِيمِ، الدِّينِ، نَسْتَعِينُ، الْمُسْتَقِيمَ، الضَّالِّينَ)
      وقد سميت هذه الكلمات قديماً فواصل السورة، فهي التي تفصل بين الآيات. والعجيب أن حروف هذه الكلمات السَّبع جاءت بنظام يقوم على الرقم سبعة. فلو قمنا بعدّ حروف هذه الكلمات السَّبع نجدها على الترتيب: 6-7-6-5-6-8- 7 حرفاً، إن العدد المتشكل من صف هذه الأرقام هو 7865676 من مضاعفات الرقم سبعة خمس مرات متتالية!!
      7865676 = 7×7×7×7×7×468
      وإذا تأملنا طريقة رسم كلمات القرآن نجد كلمات كثيرة قد كُتبت بطريقة خاصة، مثل (العَلَمِينَ) فهذه الكلمة كُتب من دون ألف، ولو فكر أحد بإضافة حرف الألف فسيؤدي ذلك إلى انهيار البناء الرقمي المحكم ويختفي إعجاز الرقم سبعة. وفي هذا برهان على وجود إعجاز في رسم كلمات القرآن الكريم. وهذا يثبت بما لا يقبل الشك أنه لو تغير حرف واحد من هذه السورة لاختفى هذا التناسق المحكم, ولكن الله هو الذي حفظ القرآن وحفظ هذه التناسقات الرقمية، لتكون دليلاً مادياً على صدق كتابه المجيد.
      وأخيراً: نسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل ويجعل فيه العلم النافع، وأن يكون وسيلة لشحذٌ ِهِِِمَم الدارسين للتوجه نحو الدراسات القرآنية.
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      ـــــــــــــــــــــ
      بقلم عبد الدائم الكحيل
      إلهي: أذقني طعم عفوك يوم ***لا بنون ولا مالَ هناك ينفع


      تعليق



      • جزاك الله كل الخير على تطرقك للحديث عن موضوع مهم كهذا
        و موازات مع موضوعك.اليكم ما يلي:

        في بحث علمي نشر في المجلة العلمية المشهورة Journal of Plant Molecular Biology , وجد فريق من العلماء الامريكيون ان بعض النباتات الإستوائية تصدر ذبذات فوق صوتية تم رصدها و تسجيلها بأحدث الاجهزة العلمية المتخصصة .


        وكان العلماء الذين أمضوا قرابة ثلاثة سنوات في متابعة ودراسة هذه الظاهرة المحيرة قد توصلوا إلى تحليل تلك النبضات فوق الصوتية الى اشارات كهروضوئية بواسطة جهاز الرصد الالكتروني oscillosco pe , وقد شاهد العلماء النبضات الكهروضوئي ة تتكرر اكثر من 100 مرة في الثانية!!! !
        و أشار البرفسور وليام بروان الذين كان يقود فريق متخصص من العلماء لدراسة تلك الظاهرة ، أن بعد النتائج التي تم التوصل إليها لم يكن ثمة أمامنا تفسيراً علمياً لتلك الظاهرة ، وقد قمنا بعرض نتائج بحثنا على عدد من الجامعات والمركز العلمية المتخصصة في الولايات المتحدة وأوربا . ولكنهم عجزوا عن تفسير تلك الظاهرة وأصيبوا بالدهشة .
        وفي المرة الأخيرة تم إجراء تلك التجربة أمام فريق علمى من بريطانيا ، وكان من بينهم عالم بريطاني مسلم من أصل هندي . وبعد خمسة أيام من التجارب المخبرية التي حيرت الفريق البريطاني وقف العالم البريطاني المسلم وقال :
        نحن المسلمون لدينا تفسيراً لهذه الظاهرة ومنذ 1400 سنة .
        إندهش العلماء من كلام ذلك العالم وألحوا عليه أن يفسر لهم ما يريد أن يقوله .
        فقرأ عليهم قوله سبحانه و تعالي :
        وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُون َ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الاسراء
        وما هي النبضات الكهروضوئي ة الا لفظ الجلاله كما هو ظهر على شاشة الجهاز !!!
        وقد ساد الصمت والذهول في القاعة التي كان يتحدث يها العالم المسلم .


        سبحان الله , فهاهي معجزة اخرى من معجزات هذا الدين الحق. فكل شيء يسبح باسم الله عز وجل
        وقد قام المسؤول عن فريق البحث البروفسور وليام براون بالتحدث مع العالم الإسلامي لمعرفة هذا الدين الذي أنبأ الرسول الأمي قبل 1400 سنة بهذه المعجزة . فشرح له العالم المسلم الإسلام وقام بعد ذلك بإعطاه القرآن وتفسيره باللغة الإنجليزية .
        وبعد عدة بأيام قليلة عقد البروفسور وليام براون محاضرة في جامعة كارنيح-ميلون. و قال البرفسور :" لم أر في حياتي مثل هذه الظاهرة طوال فترة عملي التي إستمرت 30سنة و لم يستطع اي من العلماء في فريق البحث تفسير هذه الظاهرة , ولا توجد اي ظاهرة طبيعية تفسرها ، والتفسير الوحيد وجدناه في القرآن. لا يسعني حيال ذلك الا ان اقول اشهد ان لا اله الا الله وان محمد عبده ورسوله".
        وقد اعلن العالم اسلامه وسط دهشة الحضور.


        سبحان الله العظيم....سبحان الله و بحمده

        تعليق


        • تعليق


          • السلام عليكم

            بارك الله فيكى واكثر الله من امثالك فالله المواضيع اكثر من رائعة
            انا احب هذه المواضيع جدا جدا
            شكرا
            سلام
            لكل ليل نهاية ..لابد ان تأتى شمس الفجر بالنور المبين

            تعليق


            • بسم الله الرحمن الرحيم
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
              جزاكم الله خيرا يا اخوانى على هذة المعلومات الطيبة والمفيدة
              فمن خلال تصفحى للانترنت وجدت هذة المقالة فاحببت ان اعرضها على حضراتكم راجى من الله انا تنال اعجابكم وانت تكون دليل على اننا مهما فعلنا فلن نحصى كل العلم قال تعالى(وما اوتيتم من العلم
              الا قليلا)
              وان القران خير دليل على ذلك من خلال معجزاتة الكونية وكل الاشياء العلميةالحديثةالتى سبقهم القران 1400سنة
              بسم الله الرحمن الرحيم

              اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



              في بحث علمي نشر في المجلة العلمية المشهورة

              Journal of Plant Molecular Biology ,

              وجد فريق من العلماء الامريكيون ان بعض النباتات الإستوائية

              تصدر ذبذات فوق صوتية تم رصدها و تسجيلها

              بأحدث الاجهزة العلمية المتخصصة .

              وكان العلماء الذين أمضوا قرابة ثلاثة سنوات في متابعة ودراسة

              هذه الظاهرة المحيرة قد توصلوا إلى تحليل تلك النبضات فوق الصوتية

              الى اشارات كهروضوئية بواسطة جهاز الرصد الالكترونيoscilloscope ,

              وقد شاهد العلماء النبضات الكهروضوئية تتكرر اكثر من 100 مرة في الثانية!!!!

              و أشار البرفسور وليام بروان الذين كان يقود فريق متخصص من العلماء

              لدراسة تلك الظاهرة ، أن بعد النتائج التي تم التوصل إليها

              لم يكن ثمة أمامنا تفسيراً علمياً لتلك الظاهرة ،

              وقد قمنا بعرض نتائج بحثنا على عدد من الجامعات

              والمركز العلمية المتخصصة في الولايات المتحدة وأوربا .

              ولكنهم عجزوا عن تفسير تلك الظاهرة وأصيبوا بالدهشة .

              وفي المرة الأخيرة تم إجراء تلك التجربة أمام فريق علمى من بريطانيا ،

              وكان من بينهم عالم بريطاني مسلم من أصل هندي .

              وبعد خمسة أيام من التجارب المخبرية التي حيرت الفريق البريطاني

              وقف العالم البريطاني المسلم وقال :

              نحن المسلمون لدينا تفسيراً لهذه الظاهرة ومنذ 1400 سنة .

              إندهش العلماء من كلام ذلك العالم وألحوا عليه أن يفسر لهم ما يريد أن يقوله .

              فقرأ عليهم قوله سبحانه و تعالي :

              وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الاسراء

              وما هي النبضات الكهروضوئية الا لفظ الجلاله كما هو ظهر على شاشة الجهاز !!!

              وقد ساد الصمت والذهول في القاعة التي كان يتحدث يها العالم المسلم .

              سبحان الله ,

              فهاهي معجزة اخرى من معجزات هذا الدين الحق.

              فكل شيء يسبح باسم الله عز وجل

              وقد قام المسؤول عن فريق البحث البروفسور وليام براون

              بالتحدث مع العالم الإسلامي لمعرفة هذا الدين

              الذي أنبأ الرسول الأمي قبل 1400 سنة بهذه المعجزة .

              فشرح له العالم المسلم الإسلام وقام بعد ذلك بإعطاه القرآن

              وتفسيره باللغة الإنجليزية .

              وبعد عدة بأيام قليلة عقد البروفسور وليام براون محاضرة

              في جامعة كارنيح-ميلون.

              و قال البرفسور :" لم أر في حياتي مثل هذه الظاهرة طوال فترة عملي

              التي إستمرت 30سنة و لم يستطع اي من العلماء في فريق البحث

              تفسير هذه الظاهرة , ولا توجد اي ظاهرة طبيعية تفسرها ،

              والتفسير الوحيد وجدناه في القرآن.

              لا يسعني حيال ذلك الا ان اقول اشهد ان لا اله الا الله وان محمد عبده ورسوله".

              وقد اعلن العالم اسلامه وسط دهشة الحضور.

              الله اكبر , ولتكن هذه عبرة , والعزة للاسلام



              (اسالكم الدعاء بالله عليكم )
              محمدالصقر




              تعليق


              • أخي الفاضل محمد صقر ..

                أرجوك اقرأ الموضوع التالي ..

                بعنوان أهلا بكم في عالم الإنترنت ..

                لتعرف حقيقة تلك المقال التي نقلتها عن ذبذبات النباتات .. و من اخترعها .. و كيف اخترعها و سيدهشك الأمر ..

                جزاكم الله كل خير ..

                الرابط بتوقيعي ..

                و أتمنى بشدة أن تقرأ الموضوع بطوله لأنه مهم ..

                و إن شاء الله يقنعك الكلام الذي به ..

                تعليق


                • بسم الله
                  اخى الكريم (محمد الصقر )اختنا الفاضله (natalikarmine)
                  بارك الله لكم
                  بالنسبه لموضوع ذبذبه النبات
                  كنا قد نشرنا هذا الموضوع من قبل
                  ثم حذفناه بعد ان تأكدنا من عدم صحته
                  لذا نستمح حضراتكم من حذفه وننتظر منك المزيد من التفاعل المثمر والمفيد
                  جزاكم الله عنا كل خير

                  الاخت الكريمه (SuccessSeeker)
                  بارك الله لك ونشكرك على متابعتك وتعاونك الكريم
                  جعله الله فى موازين حسناتك
                  ونرجو ابداء الاراء فى المزيد من المشاركات وخاصه المرفقه بمصدر الكاتب
                  وبالنسبه لموضوع انشقاق القمر فالمرجع فيه ايضا الدكتور العلامه (زغلول النجار ) وقد اكد تلك المعلةمه بنفسه بعد الاطلاع على احدث الابحاث

                  فى امان الله
                  لا إله إلا الله

                  تعليق


                  • كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة
                    بقلم أ. د. مصطفى مُسلم
                    ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه.
                    وفي اصطلاح البلاغيين:هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني.
                    فالأسلوب القرآني:هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[1]، ولقد تواضع العلماء قديماً وحديثاً على أن للقرآن أسلوباً خاصاً به مغايراً لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.
                    وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه [2](أن أُنَيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك، يزعُمُ أن الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال : يقولون شاعر، كاهن، ساحر ـ وكان أنيس أحد الشعراء ـ قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).
                    ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات:
                    أولاً: المرونة والمطاوعة في التأويل:
                    نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانة راضية.
                    فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكرة، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه.
                    وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرناً قد عراها كثير من التغير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالداً بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
                    إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطورة كثيراً من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد.
                    والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان نصاً في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةً واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه.
                    لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)[سورة القيامة:3]،(والأرض بعد ذلك دحاها)[النازعات:30]، غير ما فهمه العلماء المتأخرين بعد تطور العلوم الطبية والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالدة الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق.
                    ثانياً: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير:
                    من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، وساء كانت معاني ذهنية مجردة، أو قصصاً غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات.
                    إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصور وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّاً متحرّكاً، ولا شكل أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّداً من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلاً:
                    أ‌- معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّداً في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفردن أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برودة وسكون، ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه الصور الغريبة (فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة )[المدثر:49ـ 51].
                    فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر تيبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين.

                    لقد شبه الله تعالى فرار الكفار عن تذكرة النبي صلى الله عليه وسلم كفرار حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدُعون إلى الإيمان، أنظر أخي إلى جمالية هذا التشبيه الرائع الذي لا يصدر إلا عن إله عالم بخبايا النفس الإنسانية طبعاً هذا التشبيه له عدة مدلولات منها شدة فرارهم من النبي، وسخرية من سلوكم الغير مبرر
                    ب‌- ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله ! يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردّة، كأن، يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرَّداً باهتاً.
                    ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73].
                    فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة:
                    (لن يخلقوا ذُباباً)درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أخرى، (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب(ضعف الطالب والمطلوب)وهي الرابعة.
                    إن الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
                    كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).
                    والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل، إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل.
                    فليست المعجزات هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحية كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث وُضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعأً ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ.
                    ت‌- ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنين الجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة.
                    ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاهٍ حافل بالحركة وكأن المرء ـ حين يقرؤها ـ يعيش أجوائها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء.
                    فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {67} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ {68} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ {69} وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ {70} وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ{71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {75}‏[سورة الزمر:66ـ75].
                    إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً ثم يسير وئيداً حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع.
                    ويبدأ المشهد بالأرض جميعاً في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعاً مطوّيات بيمينه.
                    إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية (فإذا هم قيام ينظرون). و يغير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. فعرض ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام.
                    (أشرقت الأرض بنور ربها) أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ (بنور ربها) فإذا هي تكاد تشفّ من الإشراق، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)، وطوي كل خصام وجدال في هذا المشهد خاصة (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ).
                    فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع.
                    وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال.
                    وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) حتى إذا وصلوا إليها بعيداً هناك استقبلتهم حزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ
                    هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى).
                    وكذلك وجه الذين اتقوا ربهم إلى الجنة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).
                    ثم يختم الشريط المصور بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالاً تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
                    ثالثاً: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المُحاجة والاستدلال:
                    لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة، فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة.
                    ولا تستطيع التحول عنها إلى أتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة.
                    أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحياناً تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق سبحانه وتعالى بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون
                    لنتأمل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {68} فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنفال:67 ـ 69].
                    هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم . وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.
                    فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام ـ لو كان عن النفس مصدره ـ يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان ؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل.
                    فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالاً طيبة ؟
                    إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا شخصيتين منفصلتين وان هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك[3].
                    ومن الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ {57} أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ {58} أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ {59} نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ {60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ {61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ {62} أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ{73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الواقعة: 57ـ74].
                    ومثل هذه الإشارات ترد كثيراً في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس.
                    إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها.
                    إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضيع الإعجاز فيها.
                    يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. (ألست بربكم )[الأعراف: 172].
                    إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق.
                    والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.
                    وأي إنسان علي ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائياً لم يشهد نشأة جنينية ونشأ حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟
                    إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.
                    فالحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة.
                    ولا شكل أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب.
                    إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني.
                    ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال : (.. سألت الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرأوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة.
                    فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا عليهم شيئاً منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه قوله : (والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً واللاقمات لقماً إهالة وسمناً، إن قريشاً قوم يعتدون)، وقوله : (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ـ أي إله)[4]
                    لقد أدرك الصدّيق رضي الله عنه بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها، إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق سبحانه وتعالى.
                    فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق.
                    المصدر :كتاب مباحث في إعجاز القرآن بقلم أ.د . مصطفى مسلم 143 ـ154
                    لا إله إلا الله

                    تعليق


                    • لمحات إعجازية عن أبواب السماء وظلمة الفضاء
                      أ.د. زغلول محمد النجار
                      أستاذ علم الأرض
                      وزميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم
                      يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه:
                      ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ) (سورة الحجر: الآيتان 15,14).
                      وهاتان الآيتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابرة كفار قريش لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم.
                      وتكذيبهم ببعثته, وتشكيكهم في الوحي الذي أنزل إليه من ربه, واتهامهم له بالجنون, وهم أعرف الناس بأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أرجح الناس عقلا, وأعظمهم خلقا, وأشرفهم نسبا, ولذلك نزلت الآيات في مطلع سورة الحجر لتشيد بالقرآن الكريم, ولتهدد هؤلاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعاينون فيه أهوال الآخرة فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد أسلموا لرب العالمين, وآمنوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين وبآيات هذا الكتاب المبين, وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون, وِلُيـَهـَّون على هذا النبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - صلف هؤلاء المتكبرين فتطلب منه أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون, ويشغلهم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة, وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم.
                      وهذا التهديد والوعيد من الله تعالى لهؤلاء المجرمين, يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الأمم السابقة عليهم, وبأن الله تعالى لم يهلك أيا من تلك القرى الظالمة التي كذبت بآياته ورسله إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا.
                      وتذكر الآيات تحديات كفار قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستهزائهم به وتنكرهم لشرف بعثته حتى طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة ليشهدوا له بصدق نبوته, فيرد الحق - تبارك وتعالى - عليهم بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق, وأن من هذا الحق أن يُدمَّر المكذبون بآيات الله ورسله بعد أن جاءتهم نذر ربهم.
                      ثم تؤكد تلك الآيات الكريمات على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن العظيم, وأنه تعالى قد تعهد بحفظه فحفظ, فلا يمكن لمحاولة تخويف أن تطوله, ولا لمؤامرة تبديل أن تصيبه, مهما حاول المجرمون, وتضافر المتآمرون.
                      وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها, في الوقت الذي تعرضت فيه كل صور الوحي السابقة للضياع التام, أو للتحريف والتبديل والتغيير ـ لهو من أعظم المعجزات المبهرة لهذا الكتاب الخالد, وعلى الرغم من ذلك كله فقد كذب به هؤلاء المعاندون. ومن قبيل تهوين الأمر على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ تذكره الآيات أنه لم يكن منفردًا بجحود قومه, وتكذيبهم, ومكابرتهم, وعنادهم, واستهزائهم, بل سبقه من الأنبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك وأشد منه, فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة.
                      ومن الغريب أن الجاحدين من الخلق, الذين كفروا بالله, وبملائكته وبكتبه ورسله, في كل زمان ومكان, لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي على صدق وحي السماء, وما فيه من آيات بينات, ولكنه الصلف والعناد والمكابرة في مواجهة كل حجة أتتهم, وكل بينة جاءتهم, تماما بتمام كما كان موقف كفار قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين, ومما أنزل إليه من قرآن كريم, فتصور لنا الآيات في مطلع سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم في مواجهة الحق وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ) (الحجر 15،14).
                      بمعنى أنه حتى لو فتح الله – تعالى- على هؤلاء المكابرين بابا من السماء, وأعانهم على الاستمرار بالعروج فيه بأجسادهم وكامل حواسهم حتى يطلعوا على بديع صنع الله في ملكوته, وعلى عظيم قدرته في إبداع خلقه, وعلى اتساع سلطانه وملكه, وعلى حشود الخاضعين له بالعبادة والطاعة والتسبيح في خشية وإشفاق بالغين, لشكوا في تلك الرؤية المباشرة, وكذبوا أبصارهم وعقولهم وكافة حواسهم, ولاتهموا أنفسهم بالعجز التام عن الرؤية تارة, وبالوقوع تحت تأثير السحر تارة أخرى, وذلك في محاولة لإنكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم.!!
                      وعلى الرغم من كون «لو» حرف امتناع لامتناع, وكون هاتين الآيتين الكريمتين قد وردتا في مقام التمثيل والتصوير لحال المكابرين من الكفار وعنادهم وصلفهم, إلا أن صياغتها قد جاءت ـ كما تجيء كل آيات القرآن الكريم ـ على قدر مذهل من الدقة والشمول والكمال, يشهد بأن القرآن كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وأن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمـد بن عبــد الله - صلوات الله وسلامه عليه - كان موصولا بالوحي, مُعَلَّما من قبل خالق السماوات والأرض - سبحانه وتعالى.
                      وأحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت إدراكه من ملامح الإعجاز العلمي في هاتين الآيتين الكريمتين على النحو التالي:
                      (1) اللمحة الإعجازية الأولى:
                      وقد وردت في قول الحق ـ تبارك وتعالى: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ } مما يؤكد على أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلى عهد قريب, حتى ثبت لنا أنها بنيان محكم يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه.
                      والسماء لغة : هي كل ما علاك فأظلك, واصطلاحا هي ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رؤوسنا بكل ما فيه من أجرام, وعلميا : هي كل ما يحيط بالأرض بدءًا من غلافها الغازي, وانتهاءً بحدود الكون المدرك, والذي أدرك العلماء منه مساحة يبلغ قطرها 36 ألف مليون سنة ضوئية (أي حوالي 342×10 21 كيلومتر), وأحصوا فيه أكثر من مائة ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا المعروفة باسم سكة التبانة أو (درب التبانه) والتي أحصى العلماء فيها حوالي 400 ألف مليون نجم كشمسنا, والكون فوق ذلك دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ـ سبحانه وتعالى.
                      وقد علمنا مؤخرا أن السماء مليئة بمختلف صور المادة والطاقة التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الأول ـ والذي كان يضم كل مادة الكون, ومختلف صور الطاقة المنبثة في أرجائه اليوم ـ وذلك عند تحوله من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق ـ كما يصفها القرآن الكريم ـ ويقدر علماء الكون أن ذلك قد حدث منذ حوالي العشرة بلايين من السنين.
                      تغطي الظلمة كل أجزاء السماء وتكسوها من كل جانب
                      يخلو القمر من الهواء ولذا تظهر الأرض من سطحه سابحة في الظلام

                      وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الأول تحولت مادته وطاقاته المخزونة إلى غلالة هائلة من الدخان ملأت فسحة الكون, ثم أخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتى وصلت إلى حالة من التوازن الحراري بين جسيمات المادة وفوتونات الطاقة, وهنا تشكلت بعض نوى الإيدروجين المزدوج (الديوتريوم), وتبع ذلك تخلق النوى الذرية لأخف عنصرين معروفين لنا وهما الإيدروجين والهيليوم, ثم تخلق نسب ضئيلة من العناصر الأثقل وزنا.
                      وبواسطة دوامات الطاقة التي انتشرت في غلالة الدخان التي ملأت أرجاء الكون تشكلت السدم (Nebulae) وهي أجسام غازية في غالبيتها, تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبة, وتدور المادة فيها في دوامات شديدة تساعد على المزيد من تكثفها في سلسلة من العمليات المنضبطة حتى تصل إلى مرحلة الاندماج النووي التي تكوِّن النجوم بمختلف أحجامها, وهيئاتها, ودرجات حرارتها, وكثافة المادة فيها, ومنها النجوم المفردة والمزدوجة, والمستعرات الشديدة الحرارة والنجوم البيضاء القزمة, ومنها النجوم النيوثرونية (النابضات Pulsars) (التي تصل كثافة المادة فيها إلى خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب), وأشباه النجوم (التي تقل كثافة المادة فيها عنها في شمسنا), ومنها الثقوب السود (التي تصل كثافة المادة فيها إلى مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب), والثقوب الدافئة, مما يشكل المجرات والتجمعات المجرية, وغيرها من نظم الكون المبهرة.
                      ومن أشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات, والأقمار والمذنبات, والشهب والنيازك, والإشعاعات الكونية التي تملأ فسحة الكون بأشكالها المتعددة, وغير ذلك مما لا نعلم من أسرار هذا الوجود الذي نحيا في جزء ضئيل منه.
                      وقبل سنوات قليلة لم يكن أحد من الناس يعلم أن السماء على اتساعها ليست فراغًا, ولكنها مليئة بالمادة على هيئة رقيقة للغاية, تشكلها غازات مخلخلة يغلب على تركيبها غازي الإيدروجين والهيليوم, مع نسب ضئيلة جدا من الأوكسيجين, والنيتروجين, والنيون, وبخار الماء, وهباءات نادرة من المواد الصلبة مع انتشار هائل للأشعة الكونية بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون.
                      ولقد كان السبب الرئيسي لتصور أن فضاء الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للأرض مع الارتفاع عن سطحها حتى لا يكاد يدرك بعد ارتفاع ألف كيلومتر فوق سطح البحر, ومن أسباب زيادة كثافة الغلاف الغازي للأرض بالقرب من سطحها ـ انطلاق كميات هائلة من بخار الماء وغازات عديدة أغلبها أكاسيد الكربون والنيتروجين من جوفها أثناء تبرد قشرتها, وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولا تزال تنشط على سطحها, وقد اختلطت تلك الغازات الأرضية بالغلالة الغازية الكونية, وساعدت جاذبية الأرض على الاحتفاظ بالغلاف الغازي للأرض بكثافته التي تتناقص باستمرار بالبعد عنها حتى تتساوى مع كثافة الغلالة الغازية الأولية التي تملأ أرجاء الكون وتندمج فيها.
                      وعلى ذلك فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن السماء بناء محكم, تملؤه المادة والطاقة, ولا يمكن اختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح فيه, وهو ما أكده القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة في أكثر من آية صريحة, ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ} وهي شهادة صدق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وأنزل القرآن الكريم بعلمه الحق.
                      (2) اللمحة الإعجازية الثانية:
                      وتتضح من وصف الحركة في السماء بالعروج: { فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ}, والعروج لغة هو سير الجسم في خط منعطف مُنْحَنٍ, فقد ثبت علميا أن حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون في خطوط مستقيمة, بل لابد لها من الانحناء نظرا لانتشار المادة والطاقة في كل الكون, وتأثير كل من جاذبية المادة (بأشكالها المختلفة والمجالات المغناطيسية للطاقة بتعدد صورها) على حركة الأجرام في الكون, فأي جسم مادي مهما عظمت كتلته أو تضاءلت لا يمكنه التحرك في الكون إلا في خطوط منحنية وحتى الأشعة الكونية على تناهي دقائقها في الصغر (وهي تتكون من المكونات الأولية للمادة مثل البروتونات والنترونات والإلكترونات فإنها إذا عبرت خطوط أي مجال مغناطيسي فإن انتشار كل من المادة والطاقة في الكون عبر عملية «الفتق» وما صاحبها من انفجار عظيم كانت من أسباب تكوره, وكذلك كان لانتشار قوى الجاذبية في أرجاء الكون من أسباب تكور كل أجرامه, وكان التوازن الدقيق بين كل من قوى الجاذبية والقوى الدافعة الناتجة عن عملية «الفتق» هو الذي حدد المدارات التي تتحرك فيها كل أجرام السماء, والسرعات التي تجري بها في تلك المدارات والتي يدور بها كل منهما حول محوره.
                      حلقة النهار الرقيقة وسط الظلام الدامس
                      تشبه لرقتها جلد الزبيحة بالنسبة لبدن السماء المظلم
                      الكون من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق

                      فعند انفجار الجرم الكوني الأول (The Primardial Body) انطلق كل ما كان به من مخزون المادة والطاقة بالقوة الدافعة الناتجة عن ذلك الانفجار العظيم (عملية الفتق) والتي أكسبت كل صور المادة والطاقة المنطلقة إلى فسحة الكون طاقة حركة هائلة, وجعلتها بذلك واقعة تحت تأثير قوتين متعارضتين هما قوة التجاذب الرابطة بينها, والقوة الطاردة الناتجة عن ذلك الانفجار الكوني, والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين المتعارضتين هو الذي يحفظ أجرام السماء في مداراتها, ويجعلها تتحرك فيها حركة دائرية بخطوط منحنية باستمرار, كما جعلها تدور حول محاورها بسرعات محددة.
                      ودوران الأجرام السماوية حول محاورها وفي مداراتها يخضع لقانون يعرف باسم «قانون بقاء التحرك الزاوي» أو «قانون العروج» «The low of Conservation of angular Momentum» وينص هذا القانون على أن كمية التحرك الزاوي لأي جرم سماوي تقدر على أساس نسبة سرعة دورانه حول محوره إلى نصف قطره على محور الدوران, وتبقى كمية التحرك الزاوي تلك محفوظة في حالة انعدام مؤثرات أخرى, ولكن إذا تعرض الجرم السماوي إلى مؤثرات خارجية أو داخلية فإنه سرعان ما يكيف حركته الزاوية في ضوء التغيرات الطارئة. فعلى سبيل المثال تزداد سرعة التحرك الزاوي للجرم كلما انكمش حجمه, وكما سبق وأن ذكرنا فإن جميع الأجرام الأولية قد تكثفت مادتها على مراحل متتالية من غلالة الدخان الكوني التي نتجت عن انفجار الجرم الابتدائي الذي حوى كل مادة وطاقة الكون, تاركة كميات هائلة من الغازات والغبار والإشعاعات الكونية, وعلى ذلك فقد كانت الكواكب الابتدائية ـ على سبيل المثال ـ أكبر حجما بمئات المرات من الكواكب الحالية, وكانت أرضنا الابتدائية مائتي ضعف حجم الأرض الحالية (على الأقل), وهذه الكواكب الابتدائية أخذت في التكثف على مراحل متتالية حتى وصلت إلى صورتها الحالية.
                      وبمثل عملية نشأة الكون تماما وبالقوانين التي تحكم دوران أجرامه حول محاورها, وفي مدارات لكل منها حول جرم أكبر منه تتم عملية إطلاق الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء من الأرض إلى مدارات محددة حولها, أو حول أي من أجرام مجموعتنا الشمسية, أو حتى إلى خارج حدود المجموعة الشمسية, وذلك بواسطة قوى دافعة كبيرة تعينها على الإفلات من جاذبية الأرض, من مثل صواريخ دافعة تتزايد سرعتها بالجسم المراد دفعه إلى قدر معين من السرعة, ولما كانت الجاذبية الأرضية تتناقص بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض, فإن سرعة الجسم المدفوع إلى الفضاء تتغير بتغير ارتفاعه فوق سطح ذلك الكوكب, وبضبط العلاقة بين قوة جذب الأرض للجسم المنطلق منها إلى الفضاء والقوة الدافعة لذلك الجسم (أي سرعته) يمكن ضبط المستوى الذي يدور فيه الجسم حول الأرض, أو حول غيرها من أجرام المجموعة الشمسية أو حتى حالة إرساله إلى خارج المجموعة الشمسية تمامًا, ليدخل في أسر جرم أكبر يدور في فلكه.
                      وأقل سرعة يمكن التغلب بها على الجاذبية الأرضية في إطلاق جرم من فوق سطحها إلى فسحة الكون تسمى باسم «سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية», وحركة أي جسم مندفع من الأرض إلى السماء لابد وأن تكون في خطوط منحنية وذلك تأثرا بكل من الجاذبية الأرضية, والقوة الدافعة له إلى السماء, وكلاهما يعتمد على كتلة الجسم المتحرك, وعندما تتكافأ هاتان القوتان المتعارضتان يبدأ الجسم في الدوران في مدار حول الأرض مدفوعا بسرعة أفقية تعرف باسم سرعة التحرك الزاوي أو «سرعة العروج» (Angular Momentuim), والقوة الطاردة اللازمة لوضع جرم ما في مدار حول الأرض تساوي كتلة ذلك الجرم مضروبة في مربع سرعته الأفقية (المماسة للمدار) مقسومة على نصف قطر المدار (المساوي للمسافة بين مركزي الأرض والجرم الذي يدور حوله), ولولا المعرفة الحقيقية لعروج الأجسام في السماء لما تمكن الإنسان من إطلاق الأقمار الصناعية, ولما استطاع ريادة الفضاء حيث أصبح من الثابت أن كل جرم متحرك في السماء مهما كانت كتلته ـ محكوم بكل من القوى الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره إلى التحرك في خط منحن يمثل محصلة كل من قوى الجذب والطرد المؤثرة فيه, وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالعروج, وهو وصف التزم به هذا الكتاب الخالد في وصفه لحركة الأجسام في السماء في خمس آيات متفرقات وذلك قبل ألف وأربعمائة سنة من اكتشاف الإنسان لتلك الحقيقة الكونية المبهرة.
                      (3) اللمحة الإعجازية الثالثة:
                      وقد وردت في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: { لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ } ومعنى { سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا} أُغْلِقَتْ عيوننا وسدت, أو غشيت وغُطِّيَتْ لتمنع من الإبصار, وحينئذ لا يرى الإنسان إلا الظلام, ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يمثل حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد نجاحه في ريادة الفضاء منذ مطلع الستينيات من هذا القرن حين فوجئ بحقيقة أن الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبية أجزائه, وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للمشمس لا يتعدى سمكه مائتي كيلومتر فوق مستوى سطح البحر, وإذ ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصا أصفر في صفحة سوداء حالكة السواد, لا يقطع حلوكة سوادها إلا بعض البقع الباهتة الزرقة في مواقع النجوم.
                      وإذا كان الجزء الذي يتجلى فيه النهار على الأرض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحة الكرة الأرضية, وفي سمكه بمائتي كيلومتر, وكان في حركة دائمة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس, وكانت المسافة بين الأرض والشمس في حدود المائة وخمسين مليون كيلومتر, وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر بثمانية عشر بليون سنة ضوئية(أي ما يســاوي 171×10 21 كيلومتر), اتضحت لنا ضآلة سمك الطبقة التي يعمها ضوء النهار, وعدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلى أخرى على سطح الأرض مع دوران الأرض حول محورها, واتضح لنا أن تلك الطبقة الرقيقة تحجب عنا ظلام الكون, خارج حدود أرضنا ونحن في وضح النهار, فإذا جن الليل انسلخ منه النهار, واتصلت ظلمة الكون, وتحركت تلك الطبقة الرقيقة من الضوء الأبيض لتفصل نصف الأرض المقابل عن تلك الظلمة الشاملة التي تعم الكون كله.
                      وتجلى النهار على الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض (بسمك مائتي كيلومتر فوق سطح البحر) بهذا اللون الأبيض المبهج الذي هو نعمة كبرى من نعم الله على العباد, وتفسر بأن الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض له كثافة عالية نسبيا, وأن كثافته تتناقص بالارتفاع حتى لا تكاد تدرك, وأنه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض فتعلق بالهواء, وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا, وجزيئات بخار الماء, والجسيمات الدقيقة من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتى يظهر باللون الأبيض الذي يميز النهار كظاهرة نورانية مقصورة على النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجه للشمس.
                      وبعد تجاوز المائتي كيلومتر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه, وقلة كثافته باستمرار مع الارتفاع, ولندرة كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه لأن نسبها تتضاءل بالارتفاع حتى تكاد أن تتلاشى, ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من ظلمة الكون لأن أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في فسحة الكون.
                      فسبحان الذي أخبرنا بهذه الحقيقة الكونية قبل اكتشاف الإنسان لها بألف وأربعمائة سنة, فشبه الذي يعرج في السماء بمن سكر بصره فلم يعد يرى غير ظلام الكون الشامل, أو بمن اعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئًا مما حواليه, وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما أصاب رواد الفضاء الأوائل حين عبروا نطاق النهار إلى ظلمة الكون فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية ـ دون علم بها:
                      { إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ }.
                      (4) اللمحة الإعجازية الرابعة:
                      وتتضح في قوله تعالى: { فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ }.
                      فالتعبير اللغوي {ظلوا} يشير إلى عموم الإظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقة النهار لى نهاية الكون, بمعنى أن الإنسان إذا عرج إلى السماء في وضح النهار فإنه يفاجأ بظلمة الكون الشاملة تحيط به من كل جانب مما يفقده النطق أحيانا أو يجعله يهذي بما لا يعلم أحيانا أخرى من هول المفاجأة.
                      ومن الأمور التي تؤكد على ظُلْمة الكون الشاملة أن باطن الشمس مظلم تماما على الرغم من أن درجات الحرارة فيه تصل إلى عشرين مليون درجة مئوية وذلك لأنه لا ينتج فيه سوى الإشعاعات غير المرئية من قبل أشعة جاما, والإشعاعات فوق البنفسجية والسينية.
                      تظهر النسبية العامة بأن الضوء يجب أن ينحى تحت تأثير حقول الجاذبية، والشكل يوضح كيف أن كتلة الشمس (A) تشوه النسيج الزماني-المكاني "الزمكاني" القريب منها مما يجعل الضوء الصادر من نجم بعيد (B) ينعطف حين مروره بالقرب من الشمس هذا الأمر يؤدي إلى أن المراقب من الأرض (C) يتوهم أن موقع النجم هو (D) بدلا من (B).

                      أما ضوء الشمس الذي نراه من فوق سطح الأرض فلا يصدر إلا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم «النطاق المضيء» (Photosphere), ولا يرى بهذا الوهج إلا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض, وفي نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس.
                      (5) اللمحة الإعجازية الخامسة:
                      وتتضح في إشارة الآيتين الكريمتين إلى الرقة الشديدة لغلالة النهار وذلك في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ {ولو فتحنا … لقالوا …} بمعنى أن القول بتسليم العيون وظلمة الكون الشاملة تتم بمجرد العروج لفترة قصيرة في السماء, ثم تظل تلك الظلمة إلى نهاية الكون, وقد أثبت العلم الحديث ذلك بدقة شديدة, فإذا نسبنا سمك طبقة النهار إلى مجرد المسافة بين الأرض والشمس لاتضح لنا أنها تساوي
                      200 كيلومتر/ 150000000 كيلومتر= 1/75000 تقريباً.
                      فإذا نسبناها إلى نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح أنها لا تساوي شيئًا البتة, وهنا تتضح روعة التشبيه القرآني في مقام آخر يقول فيه الحق ـ تباك وتعالي: {وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ}"يس: 37"
                      حيث شبه انحسار طبقة النهار البالغة الرقة من ظلمة كل من ليل الأرض وليل السماء بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها, مما يؤكد على أن الظلام هو الأصل في الكون. وأن النهار ليس إلا ظاهرة نورانية عارضة رقيقة جدًّا.. لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض, وفي نصفها المواجه للشمس في دورة الأرض حول نفسها أمام ذلك النجم, وبتلك الدورة ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمة كل من ليل الأرض وحلكة السماء كما ينسلخ جلد الذبيحة عن جسدها.
                      وفي تأكيد ظلمة السماء يقرر القرآن الكريم في مقام آخر قول الحق ـ تبارك وتعالى:
                      {أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} «النازعات: 27 ـ 29». ( والضمير في {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} عائد على السماء, بمعنى أن الله تعالى قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة إظلامه, فهو دائم الإظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض (في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل), أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار (في نصف الأرض المواجه للشمس) فيصفه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بقوله: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا أثناء نهار الأرض, والضحى هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوءها جليا للناس, بينما يبقى معظم الكون غارقًا في ظلمة السماء.
                      ويؤكد هذا المعنى قسم الحق ـ تبارك وتعالى, وهو الغني عن القسم ـ بالنهار إذ يجلي الشمس أي بكشفها وبوضوحها فيقول ـ عز من قائل:
                      {وَالشّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا . وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا . وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} "الشمس: 1 ـ 4"
                      أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض, وهذه لمحة أخرى من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن نور الشمس لا يرى إلا في نهار الأرض وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس, وأن هذا النطاق النهاري لابد وأن به من الصفات ما يعينه على إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض.
                      فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق, أنزله بعلمه, وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله, في كل أمر من أموره, وفي كل آية من آياته, وفي كل إشارة من إشاراته, وفي كل معنى من معانيه, وجعله معجزة أبدية خالدة على مر العصور, لا تنتهي عجائبه, ولا يخلق عن كثرة الرد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها, وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين, الذي شرفه ربه ـ تبارك وتعالى ـ بوصفه أنه لا ينطق عن الهوى فقال ـ عز من قائل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ. إِنْ هُوَ إِلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى} (النجم:5)
                      لا إله إلا الله

                      تعليق


                      • سبحان الله وبحمده
                        سبحان الله العظيم
                        لا إله إلا الله

                        تعليق


                        • وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً

                          جبل الله الإنسان على الضعف، كما قال تعالى: ( وخلق الإنسان ضعيفا) ( النساء 28)

                          وهذا الضعف يشمل الضعف النفسي، والضعف البدني ... والمصدق لقول خالقه والعالم به إذا نظر متفكرا في نفسه والناس من حوله لتأكد من حقيقة مكنون شعور الضعف بنفس الإنسان... فالإنسان على يقين بينه وبين نفسه من حقيقة قلة " ... بل ربما انعدام "... حوله وقوته أمام وفي مواجهة ما يحيط به من آيات وجنود الله كالسماء والأرض والجبال ... وكالزلازل والبراكين ... وكالرعد والبرق والريح ... وكالأعاصير والصواعق وفيض الماء... بل أمام وفي مواجهة ما يبدو أصغر مثل العقر واللدغ والافتراس ... الخ.

                          قال تعال *(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) (النساء: 28).

                          هكذا يقرر الله تعالى هذه الكلية العاملة الشاملة لكل إنسان، إن كل إنسان خلق ضعيفاً....

                          خلق ضعيفا في نشأته قال تعال: ( من أي شيء خلقه من نطفة خلقه) نطفة صبابة من الماء المهين.

                          وخلق ضعيفاً في علمه: قال تعال *(وماأوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء:85).

                          فعلمه قليل ومحفوف بآفتين جهل قبل العلم ونسيان بعده فهو لا يعلم المستقبل حتى في تصرفات الخاصة:

                          قال تعال *(وماتدري نفس ماذا تكسب غدا) (لقمان:34 ).

                          وخلق ضعيفا في تصرفه وإدراكه فقد يتصور البعيد قريبا والقريب بعيدا والنافع ضارا والضار نافعا ولا يدرك النتائج التي تتمخض عن تصرفاته. (الشيخ محمد بن صالح العثيمين)

                          إن الضعف الإنساني سمة تلازم الإنسان من لحظة البداية في خلقه … هل تَذكَّر الإنسان ذلك؟ هل فكر الإنسان في أصل تكوينه ؟ إنه تراب الأرض! هل أدرك الإنسان أنه خُلق من عدم ولم يكن شيئاً ؟ هل فكر الإنسان بالقدرة التي أوجدته من العدم وكَّونته من التراب ؟ هذا هو الأصل الإنساني الضعيف! هل فكر الإنسان لحظة واستشعر مراحل ضعفه ووهنه ؟

                          الإنسان هذا المخلوق العجيب هو صنعة الله تعالى المحكمة الدقيقة هذا الإنسان الذي يبدو للوهلة الأولى في منتهى البساطة مشتمل على كل أشكال التعقيد، إنه يبدو قوياً مخيفاً مع أنه في حد ذاته ضعيف في كل جانب من جوانب شخصيته ضعفاً لا يوازيه شيء سوى ما يدعيه من القوة والعزة والسطوة.

                          وقد لخّصت لنا هذه الكلمات القرآنية الثلاث جوهر الإنسان، لكن دون أن تضع لنا الإصبع على مفردات ذلك الضعف ومظاهره ليظل اكتشافها التدريجي عبارة عن دروس وعظات مستمرة تذكر الإنسان بحقيقته، وسوف ينفذ العمر دون أن نحيط بحقيقة أنفسنا.

                          ومن مظاهر ضعفنا:

                          -أن التقدم المعرفي الكبير مازال محدوداً إلى يوم الناس هذا، فهناك أجزاء من أجسامنا مازالت مناطق محرّمة، فعلم الدماغ مازال علم إصابات أكثر من



                          لا يزال في الدماغ مناطق مجهولة لحد الآن لا يعرف ما هي وظائفها

                          أن يكون علم وظائف وتشريح، ومركبّات الأنسجة والسوائل المختلفة في أجسامنا وتفاعلها مع بعضها مازال الكثير منها مجهولاً، فإذا ما دلفنا إلي مناطق المشاعر والإدراك وصلاتها وتفاعلاتها بالجوانب العضوية، وجدنا أن كثيراً مما لدينا ظنون وتخرصات أكثر من أن يكون حقائق

                          فإذا ما خطونا خطوة أخرى نحو العالم الوجداني والروحي وجدنا أنفسنا في متاهات وسراديب، حتى إن الفردية لتطبع كل ذرة من ذرات وجودنا المعنوي، مما يجعل إمكانات الفهم ووضع النواميس والنظم العامة أموراً قليلة الفاعلية محدودة النجاح.

                          -إن الباحثين في مجالات علوم الإنسان يجدون الطرق متشعبة ملتوية كلما تقدموا نحو الأمام، على حين أن الباحثين في علوم الطبيعة يستفيدون من أنواع التقدم المعرفي الأفقي في إضاءة ما بقي مظلماً من مسائل الطبيعة والمادة. وتقدّس الله تعالى إذ يقول: ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء: 85).

                          ويزداد ظهور ضعف الإنسان حين يدخل الإنسان في صراع بين عقله ومشاعره حيث يجد نفسه عاجزاً عن دفع مشاعره والخلاص من وساوسه والتغلب على مخاوفه أو معرفة مصدرها في بعض الأحيان، ليدرك المرة تلو المرة أنه مع طموحه إلى السيادة على الأرض وغزو الفضاء قاصر عن السيطرة على نفسه

                          إن فاعلية كل رأي ودقته ينبعان من مجموعة العمليات التي يستند إليها فحين تكون تلك العمليات ظنية وعائمة فإن آراءنا الطبية والنفسية سوف يظل كثير منها هشاً ونسبي الصواب

                          - هذا الإنسان الضعيف لا يستطيع أن يجزم بشيء مقطوع من حوادث المستقبل، فمهما أدرك المرء الظروف والعوامل والمؤثرات التي تحيط به لم يستطع أن يعرف ماذا سيحدث له بعد شهر أو يوم أو ساعة، وأعظم أطباء الدنيا لا يستطيع ضمان استمرار حياته أو حياة غيره ساعة من زمان، ومن ثمّ فإن القلق والخوف من المستقبل هما الهاجس الجاثم فوق صدر الإنسان الحديث الذي فقد الإيمان (1).

                          إذا كان الإنسان على ما ذكرنا من العجز والقصور فإن عليه أن يخضع لقيوم السموات والأرض خضوع العارف بضعفه المدرك لعظمة خالقه متخذاً من ذلك باباً للأوبة والتوبة الدائمة.

                          الإنسان جسد ضعيف محدود القدرات والإمكانيات، حواسه مقيدة محدودة، فهو ذو بصر محدود، إذ لا يمكنه الرؤية إلا في حدود مكونات الضوء



                          لا يمكن للعين الرؤية إلا في حدود مكونات الضوء الأبيض

                          الأبيض وهي الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي، وما ينتج عن اختلاطها ببعضها من ألوان متعددة، أما ما تعدى حدود ذلك من موجات ضوئية فلا يستطيع الإنسان أن يميزها، فالأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية ( أشعة إكس ) وأشعة جاما وغيرها لا تدركها العين البشرية، بينما تستطيع بعض الطيور والحيوانات أن ترى الأشياء عن طريق الأشعة تحت الحمراء مثلاً، مما يمنحها القدرة على الرؤية في الظلام الدامس.

                          له عينان فقط وبالمقارنة بالحيوانات والحشرات والطيور فإن المعروف أن عدد عيون الحيوانات تتراوح بين عينين إلى عدة آلاف، فالعنكبوت مثلاً له ثمانية عيون، ومع ذلك فبصره ضعيف جداً بالنسبة لغيره.

                          وأما بالنسبة للسمع فإن الأذن البشرية ذات إمكانيات محدودة، حيث لا تستطيع الأذن البشرية تمييز الأصوات ذات التردد أو الذبذبات التي تقل عن حوالي عشرين ذبذبة في الثانية، أو التي تزيد عن حوالي عشرين ألف ذبذبة في الثانية، كما أن قوة الصوت أو شدته تؤثر تأثيراً ضاراً على أذن الإنسان إذا تعدت حدوداً معينة.

                          وتستطيع معظم الحيوانات أن تسمع الأصوات التي يكون كثير منها خارج المدى المسموع بواسطة الأذن البشرية، فالكلب مثلاً يستطيع أن يسمع الأصوات ذات التردد المنخفض بواسطة أجزاء حساسة عند الخطوط الجانبية من جسمه، وتستطيع الأسماك في الأحواض الزجاجية أن تسمع صدى حركتها منعكساً على زجاج الحوض فلا ترتطم به.



                          للخفاش قدرة على استقبال الموجات الصوتية ذات الترددات العالية

                          كما تتميز الطيور عموماً بسمع حاد قوي، أما الخفاش فلديه قدرة خاصة على استقبال الموجات الصوتية ذات الترددات العالية (ultrasounds) بواسطة أذنيه الكبيرتين، واللتين تتحركان في مختلف الاتجاهات بصورة مستمرة كأنها جهاز رادار يبحث عن تلك الموجات الصوتية. (2)

                          إن الإنسان هو أضعف المخلوقات من حيث القوة العقلية والجسمانية، يحس بهذه الحقيقة في قرارة نفسه وحين يستعرض مشوار حياته منذ خلقه من الماء المهين مروراً بالحمل والمخاض وخروجه طفلاً ضعيفاً يستمد العون والمساعدة من غيره. أنظر جريدة " العالم الإسلامي " السعودية – العدد (1383).

                          (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم : 54]).

                          في الآية الكريمة يشير الحق سبحانه وتعالى إلى صفة الضعف تلك الصفة التي تلازم الإنسان طوال حياته وهى السمة المميزة للإنسان في مقتبل العمر وفى خريف حياته.

                          وسبحان الخالق العظيم جعل مشوار حياة الإنسان يبدأ بالضعف وينتهي به حتى وإن كان في ريعان شبابه وقمة عنفوانه فهو ضعيف.

                          إنه صريع أمام دوافع النوم (الموتة الصغرى) لا غلبة له عليه يطرحه أرضاً حتى وإن كانت قوة تصارع وتقهر العتاة.

                          أليس الإنسان ضعيفاً حتى في أوج قوته، وها هو المرض في أوهن أشكاله ومسبباته يقهر الإنسان ويوهن صحته ويحد من نشاطه وقد ينال من جسده ويضعف من قوته فيصبح عاجزاً لا يقوى على رعاية نفسه ؟ أليس المسلم ضعيفاً أخي المسلم حتى في لحظات ومراحل القوة والغطرسة التي قد تخدع أكثر الناس وتحيد به عن سواء السبيل ؟.

                          ونحن نتأمل صفة الضعف التي تلازم الإنسان فإننا لا نرى سوى سبيل واحد فريد هو مصدر كل قوة حقيقية وهو مبعث كل طمأنينة. وهو المصدر المنيع الذي يدافع عن النفس ويحميها من كل خطب وضلال وهوان. إنه الإيمان بالله.. فهو القوة الحقيقة في النفس البشرية ومادون ذلك فهو ضعف وهوان وإن كان ظاهره القوة.

                          تأمل أخي المسلم مرحلة الطفولة لحظة خروج الإنسان للحياة ثم طفلاً رضيعاً يستمد الغذاء والعون من أمه.

                          إنها لحظات الضعف والوهن الغامر الذي مر به كل مخلوق وأولهم الإنسان.

                          تذكر أخي الشاب المسلم هذه اللحظات وأرجع شريط مسيرة حياتك وتخيل كيف كنت لا تقوى على الحركة والجلوس والمشي ولا تقدر على التعبير والنطق ولا تدرك أسباب الحياة وحركتها...

                          تفكيرك محدود وقوتك ضعيفة وعزمك واهن وإرادتك تابعة وتطلب العون والمساعدة ثم تدرجت في قدراتك وتطور نموك وارتقت مفاهيمك واتسع إدراكك واشتد عودك وانتصب قوامك والتفت عضلاتك وتكونت شخصيتك وأصبحت رجلاً يتمتع بالقوة وتحتل مكانة وتتبوأ مركزاً مرموقاً أو تتحمل أعباء وتدير حركة الحياة وتعمر الأرض.

                          هل فكرت أخي المسلم كيف كنت ؟ وإلى أين أصبحت ؟ وهل استحضرت حقيقة كيف كنت ؟ وأين أصبحت ؟

                          أخي المسلم عليك أن تستلهم من مسيرة حياتك وتأخذ العبرة من لحظات الضعف التي كنت بها قبل أن تصبح رجلاً قوياً. فتكرس قوتك وتسخرها لعبادة الله وطاعته وتنتهز لحظات القوة لكي تؤدى واجب الطاعة والعبادة للخالق الذي أمدك بالقوة ووهبك العقل والفكر والبصيرة.

                          فلا تضيع قوتك التي سوف تزول لا محالة في هوى النفس وشهواتها ولا تفنى هذه القوة في معصية الله وفى غير ما أُهلت له.

                          تذكر أخي المسلم أن لحظات حياتك عجلة دائرة فأنت بين ضعف وقوة وعجز وقدرة. (جريدة " العالم الإسلامي " – السعودية – العدد "1389" ).

                          خلق الله تعالى آدم من تراب من عناصر الأرض... من الحديد والكالسيوم والماغنسيوم والكربون وغيرها. واختار له الصورة التي أراده عليها وبث فيه الحياة وزوده بمواهب وطاقات تساعده على إعمار الأرض واستخراج مكنوناتها. وزوده بالعقل والسمع والبصر وشرع له المنهج الذي تستقيم به حياته وأمره بالسير في هذا الطريق وتجنب إغراءات الشيطان ونزعات النفس حتى لا يضل.

                          ولنرجع إلى جسم الإنسان لنرى ما قالت وما أثبتت المعامل:

                          إن جسم الإنسان العادي يحتوى على مائة وأربعين رطلا من الماء ومن الدهون ما يكفي لصنع سبع قطع من الصابون ومن الرصاص ما يكفي لصناعة ستة آلاف قلم رصاص ومن الملح ما يملأ ملعقة صغيرة ومن الفسفور ما يكفي لصناعة ألفين ومائتي عود ثقاب ومن الماغنسيوم ما يكفي لجرعة من الأملاح الملينة. ومن الحديد ما يكفي لصنع مسمار طويل ومن البوتاسيوم ما يكفي لقدح زناد مدفع من مدافع الأطفال ومن السكر ما يملأ زجاجة عادية.

                          هذا هو الإنسان. خلق من تراب فإذا مات عاد إلى الأرض وتحلل جسمه إلى هذه العناصر ودخل في تركيب أجسام أخرى حيوانية ونباتية(3).

                          وهكذا يُولد الإنسان متجها إلى نهايته. فكل دقيقة تمر تدنيه من أجله لا ينحرف عن هذه الغاية أبداً ولا يتخلف عن موعدها. أنفاسُُ معدودة وخطواتُُ محدودة فإذا اكتمل العدد كانت النهاية... ويُسدل الستار على إنسان كان...
                          التعديل الأخير تم بواسطة روان598; الساعة 03-07-2007, 01:43 PM. سبب آخر: حذف الوجوه التعبيرية التى لا تليق بالذات الآلهية
                          لا إله إلا الله

                          تعليق


                          • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                            أخى فى الله محمد حسن السكندرى
                            أعتذر لتدخلى ولكن وجدت المشاركة تظهر صورة تعبيرية لجانب كلمة قال تعالى
                            فدخلت لحذفها وأخترت تعطيل الوجوه التعبيرية
                            فأرجوا إن يتسع صدرك لذلك
                            ------------------------------------
                            من هو فرعون موسى
                            صورة لرأس لجثة رمسيس الثاني الموجودة في المتحف المصري في القاهرة والذي تؤكد الأدلة أنه هو فرعون موسى

                            الدكتور رشدي البدراوي
                            أستاذ بجامعة القاهرة وباحث وكاتب إسلامي
                            من هو فرعون موسى ؟.. لقد اختلفت الآراء في تحديد اسم هذا الفرعون اختلافاً كبيراً وسنذكر في هذه المقالة مختلف الآراء التي ذكرت في هذا الشأن، مذكرين بأن بعض هذه الآراء لم يوضع بقصد بيان الحقيقة أو بحثاً عنها بل وضع لهدف سياسي وإن كان قد غُلّف بما قد يبدو للقارئ بأنه حقائق تاريخية، كذلك فإن بعض النظريات التي وضعت اعتمد أصحابها على حادثة معينة وبنوا عليها نظريتهم وراحوا يحاولون تفسير الأحداث كلها حسب نظريتهم هذه ويلوون الحقائق يختلقون أحداثاً ليؤيدوا بها وجهة نظرهم.
                            ولا يخفى قصور هذه النظريات التي يجوز تسميتها بالنظريات (أحادية النظرة ) إذ هي تنظر إلى الأحداث من زاوية واحدة وتتجاهل الجوانب الأخرى ومن هنا تعددت الآراء ولم تصل إلى نتيجة مرضية.
                            ولما كان منهجنا هو النظرة الشاملة وربط القصص الديني بالأحداث التاريخية، ومن هذا المنطلق رأينا أن الطريق السليم للوصول إلى الحقيقة في هذا الشأن هو تحديد بعض النقاط الأساسية من قصة موسى عليه السلام يجب أن تستوفيها النظرية المقترحة وكذلك تحديد صفات هذا الفرعون مما جاء عنه في الكتب المقدسة وعلى رأسها بالطبع القرآن الكريم صحيح أن القرآن الكريم هو كتاب هداية وإيمان، ركّز عند سرد القصص على الجانب الإيماني والعبرة التي تستقى منها ولكنه في نفس الوقت إذا أشار إلى حدث معين أو واقعة معينة فقوله هو القول الحق الذي لا يمكن التغاضي عنه أو إيراد ما يتعارض معه وما سكت عنه القرآن الكريم لا بأس من أن نبحث عما ورد في التوراة بشأنه مدركين ما قد أصاب بعض نصوصها من تحريف وتبديل إذ التوراة التي بين أيدينا هي في حقيقتها سيرة موسى عليه السلام وقد مزج كاتبو التوراة بين ما أوحى إليه من الله وبين أحاديثه الشخصية مضافاً إليها تفسيراتهم لبعض الأحداث واعتماداً على هذه الإضافات الأخيرة فإننا لا نرى بأساً من التجاوز عن معلومة تاريخية وردت في التوراة إذا ارتأينا أنها تتعارض مع حقائق أخرى أو أنها تقف حجر عثرة في سبيل نظرية متكاملة.
                            وأخيراً فإن هناك ملحوظة جديرة بالذكر، وهي صمت الآثار المصرية التام عن هذا الموضوع الخطير – موضوع بني إسرائيل وموسى – مع ما هو معروف عن الكتابات المصرية – على جدران العابد والآثار – من دقتها في تسجيل الأحداث ويعلل (سميث) سكوت الآثار المصرية عن قصة الخروج – أي خروج بني إسرائيل من مصر – بأنها من وجهة النظر المصرية الفرعونية لا تزيد عن كونها فرار مجموعة من العبيد من سادتهم المصريين وما كانت هذه بالحادثة التي تسجل على جدران المعابد أو التي تقام لها الآثار لتسجيلها (J.W. Smith God & man in Earty Israel. P38) كما أنه من المؤكد أن هذه التسجيلات لم تكن – كما نقول بلغة عصرنا – صحافة حرة تسجل الأحداث كما وقعت – بل لا بد كانت تحت رقابة صارمة من الفراعنة فلا تسجل إلا ما يسمح به الفراعين أنفسهم ويكون فيه تمجيد لهم ولما كان الفراعنة يدّعون أنهم من نسل الآلهة فليس من المتصور أن تسجل على المعابد دعوة موسى لإله أكبر هو رب العالمين، كما أنه من غير المعقول تسجيل فشل الفرعون في منع خروج بني إسرائيل فضلاً عن غرقه أثناء مطاردتهم، إذ أنها أحداث يجب فرض تعتيم إعلامي كامل عليها وعلى كل ما يتعلق بها والعمل على محوها من ذاكرة الأمة وهو أمر غير مستغرب.. بل ويحدث في أيامنا هذه وكم من حقائق عملت الرقابة والمخابرات على إخفائها عن الشعوب!
                            وإزاء تعدد الآراء في تحديد شخصية من هو فرعون موسى فقد وجدنا أن الأسلوب الأمثل الواجب اتباعه هو وضع النقاط الأساسية الثابتة ثبوتاً لا يرقى إليه الشك ثم عرض النظريات المختلفة – واحدة تلو الأخرى – على هذه النقاط الأساسية وإذا لم تكن تستوفيها تم استبعادها حتى تصل إلى النظرية التي تستوفي هذه النقاط الأساسية – كلها – أو أكبر عدد منها فتكون هي النظرية الصحيحة.
                            وفي رأينا أن هذه النقاط الأساسية هي:
                            1-تسخير بني إسرائيل هو أول هذه النقاط – وهو أمر ثابت بالقرآن الكريم.
                            {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [القصص: 4].
                            كما ورد أيضاً في التوراة إذ ذُكر كنبوءة لإبراهيم عليه السلام: فقال لأبرام: اعلم يقيناً أن نسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم ويُستبعدون لهم فيُذلونهم أربعة مائة سنة (تكوين 15: 13). كما ذكر عدة مرات في سفر الخروج: فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف، ومرّروا حياتهم بعبودية قاسية في الطين واللبن وفي كل عمل في الحقل، كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفاً (خروج 1: 14).
                            ولا بد للنظرية التي توضع أن توضّح لم كان هذا التسخير والتعذيب، فلا يكفي القول بأن بني إسرائيل كانوا مقربين من الهكسوس ليكون ذلك سبباً في هذا التعذيب فكم من جالية بقيت في دولة بعد إجلاء المحتل عنها ولم ينزل بها مثل هذا التنكيل أو بعضه.
                            2-تمسك الفرعون بعدم خروج بني إسرائيل من مصر، وليس الأمر رغبة في تسخيرهم في المباني والإنشاءات، فالمصريون بسواعدهم بنو الأهرامات – أكثر من مائة – وبنوا المعابد الضخمة ومئات المدن وأقربها عهداً مدينة أخيتاتون، وما بناء مدينتي بي رعمسيس وفيثوم إلا قطرة من بحر !!! ولا بد من تقديم تفسير كاف لإصرار الفرعون على عدم خروج بني إسرائيل من مصر بالرغم مما نزل به من ضربات من جراء ذلك.
                            3-الالتقاط من النهر: إن موسى هو من بني إسرائيل وبنو إسرائيل كانوا يقيمون في أرض جاسان شرق الدلتا وألقى في النهر ليلتقطه آل فرعون، فيجب أن يكون موقع الالتقاط شمالي موقع الإلقاء لأن التيار يمشي من الجنوب إلى الشمال سواء كان الالتقاط من مجرى النهر ذاته أو من إحدى الترع المتفرعة عنه.
                            4-عند فرار موسى من مصر بعد قتل المصري لماذا لم يذهب إلى أرض فلسطين وكان بها فلول من بقايا الهكسوس كما كان بها (العايبرو) وهم يمتون بصلة ما إلى بني إسرائيل وكان من الطبيعي أن يلجأ إليهم فلماذا فضل الذهاب إلى أرض مدين!
                            5-كثير من النظريات التي قُدمت أهملت إظهار معجزتي العصا واليد في اللقاء الأول بين موسى وفرعون ثم تحدى السحرة بعد ذلك، وكذلك أهملت إظهار باقي الآيات التسع مع أنها أمور ثابتة في كل الكتب المقدسة.
                            6-فرعون موسى وصف في القرآن الكريم بأنه ( فرعون ذو الأوتاد ) ويجب تقديم تفسير مقنع لهذا الوصف.
                            7-فرعون موسى ادعى الألوهية: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [النازعات: 23-24]، وهو ادعاء فعلي للألوهية، ويجب على النظرية أن تقدّم إثباتاً لهذا ولا يكفي أن يقال إنه نسب نفسه للآلهة، فجميع الفراعين بدءاً من الأسرة الخامسة كانوا يدّعون أنهم من نسل الآلهة.
                            8-فرعون موسى غرق أثناء مطاردته لبني إسرائيل، والعبرة تكون أبلغ لو أن الفرعون الذي غرق يكون هو نفسه فرعون التسخير، عما إذا مات فرعون التسخير ميتة طبيعية وكان الغرق من نصيب خَلَفِه، فإذا اتسعت حياة أحد الفراعين بحيث تشمل الأمرين معاً كان في ذلك غنى عن افتراض فرعونين.
                            9-حبذا لو أوضحت النظرية أن دماراً ما قد حاق بالآثار التي أقامها هذا الفرعون أكثر مما أصاب آثار غيره من الفراعين، لينطبق عليه قوله تعالى: { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } [الأعراف: 137].
                            10-وأخيراً يجب أن تتضمن النظرية تفسيراً لقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً } [يونس: 92] إذ أن لدينا مومياوات كثر من الفراعين، والآية لتمامها وأكتمال الهدف منها – لا بد أن تكون واضحة محددة، فأي المومياوات هي الخاصة بفرعون موسى ؟ وهل فيها شيء يمكن اعتباره آية؟
                            لا شك أن القارئ يوافق على أن هذه النقاط اللازم توافرها في أي نظرية توضع لبيان من هو فرعون موسى، والآن نستعرض مختلف النظريات التي قُدّمت ونرى مدى تحقيقها لهذه النقاط.
                            1- أحمس الأول هو فرعون موسى:
                            يزعم المؤرخ اليهودي يوسيفيوس (يوسف) بن متى، الذي عاش في القرن الأول الميلادي أن مانيتو – المؤرخ المصري الذي كتب تاريخ مصر القديم حوالي عام 280 ق.م – قد ذكر أن العابيروا ( أو الخابيرو) هم أنفسهم العبرانيون أي بنو إسرائيل وهم أيضاً الهكسوس الذين حكموا مصراً وأن طرد الهكسوس من مصر بواسطة أحمس هو نفسه خروج بني إسرائيل من مصر، وبالتالي فإن أحمس هو فرعون موسى ! وما دمنا لا نستطيع الرجوع إلى كتاب مانيتو الذي فقد في حريق مكتبة الإسكندرية عام 48 ق.م فلا نستطيع التأكد من صدق هذا القول بل ويساورنا الشك في صحته إذ الهدف السياسي من وراء هذا العزم واضح إذ هو يرمي إلى القول بأن الهكسوس – الذين هم بنو إسرائيل – قد حكموا مصر فترة طويلة من الزمن (من 1780 ق.م حتى 1575 ق.م أي 205 عاماً ) ومن ثم يحق لليهود الادعاء بأن لهم حقوقاً تاريخية في أجزاء من أرض مصر، وقد تبنى هذا الرأي عدد من المؤرخين جلهم من اليهود أو المشايعين لهم.
                            والثابت تاريخياً هو أن أول قدوم بني إسرائيل – كفئة متميزة ومستقلة في معيشتها عن المصريين – كان عند مجيء يعقوب وبنيه بدعوة من يوسف الصديق الذي كان نائباً للملك خيان ملك الهكسوس وأسكنهم أرض جاسان وهذا ينفي نفياً قاطعاً أن إسرائيل هم أنفسهم الهكسوس، إذ هم قد وفدوا عليهم واحتفى بهم الهكسوس إكراماً لنائب الملك (يوسف) ولأنهم أهل بداوة مثلهم ورأوا فيهم سنداً يعينهم فيما لو ثار المصريون ضدهم وعند خروج الهكسوس من مصر خرجت معهم طائفة قليلة من بني إسرائيل ارتبطت مصالحهم معهم وسموا (العابيرو) ولكن الغالبية العظمى من بني إسرائيل في مصر فيما بعد كذلك فإن هذه النظرية تتعارض مع ما هو ثابت من تسخير بني إسرائيل بواسطة المصريين إذ لو كانوا هم الهكسوس – حكام البلاد – فأنى يقع عليهم مثل ذلك ؟ والثابت أنهم – أيام المجاعة كانوا يتنعمون بينما المصريون يعانون قسوتها واضطروا لبيع أراضهم لملك الهكسوس كذلك فإن هذه النظرية تتعارض مع ما هو معروف من أن فرعون موسى كان يتمسك ببقاء بني إسرائيل في مصر بالرغم مما أتى به موسى من آيات فهل كان أحمس يتمسك ببقاء الهكسوس المحتلين بلاده ؟.. سبب آخر ذلك أن أحمس كان يحكم من طيبة في أقصى جنوب مصر في حين أن بني إسرائيل كانوا يعيشون في أرض جوشن شرقي الدلتا فكيف يتأتى لأم موسى أن تلقيه في النهر فيلتقطه آل فرعون القاطنين على بعد ألف كيلو متر إلى الجنوب !
                            لهذه الأسباب يمكن باطمئنان استبعاد الرأي القائل بأن أحمس هو فرعون موسى.
                            2- أحمس هو فرعون التسخير وتحتمس الأول هو فرعون الخروج:
                            قائل هذا الرأي هو الدكتور محمد وصفي في كتاب (الارتباط الزمني والعقائدي بين الأنبياء والرسل ص 156) ويرى أن أحمس هو الذي عذب بني إسرائيل واضطهدهم وله مبرراته السياسية والاجتماعية والحربية والوطنية. فيقول إن أحمس هو محرر مصر من المحتلين الهكسوس الذين كانوا غزاة من الشرق فكان من الطبيعي أن يعمل على القضاء على العناصر الموالية لهم أو على الأقل أن يسلبهم سلطانهم الذي كانوا قد وصلوا إليه بواسطة (يوسف) وبرضاء ملوك الهكسوس، فكان يذبح أبناءهم حتى لا يكبروا فيصبحوا قوة تعمل على هدم ما بناه من تحرير بلاده من الأجانب وكان يستعمل بني إسرائيل في بناء المدن فلم يكن من السياسة أن يبيدهم كلهم، ويقول إن بني إسرائيل ظلوا في التعذيب منذ أن تولى أحمس الحكم في عام 1580 ق.م وأن موسى ولد سنة 1571، ويقول إن موسى عاصر ثلاثة فراعين هم بالترتيب:
                            أحمس مدة14 عاماً.
                            أمنحتب الأول 16 عاماً.
                            ثم تحتمس الأول مدة 39 عاماً.
                            وأن موسى لما قتل المصري كان عمره 61 عاماً وتغرب في أرض مدين 8 سنوات ثم عاد وعمره 69 عاماً ودعا الفرعون سنة واحدة ثم كان الخروج، وهذا الرأي يتعارض مع عدة حقائق تاريخية.
                            1-كيف التقط أحمس موسى من النهر وأحمس كان يحكم من طيبة في الجنوب.
                            2-إن سنة واحدة بين عودة موسى من أرض مدين والخروج لا تتسع لإظهار الآيات التسع الثابتة في الكتب المقدسة.
                            3-إن تحتمس الأول ابن امرأة من دم غير ملكي (هي الملكة سنى سونب ) وكان سنده في الوصول إلى العرش هو زواجه من أخت له تجري في عروقها الدماء الملكية من ناحية الأب والأم، ولعله كان يشعر بنقص من هذه الناحية فحاول أن يزجي لنفسه ألقاباً ملكية فأطلق على نفسه (ملك من ابن ملك ) محاولاً بذلك الانتساب إلى سلسلة الفراعين ذوي الحق الشرعي (د. نجيب ميخائيل إبراهيم: مصر والشرق الأدنى القديم. ج3 ص23) ولما كان الأمر كذلك، وبالكاد وصل إلى العرش فإنه لم يكن ليتجاوز ذلك ويدّعي الألوهية كما هو ثابت في حق فرعون وموسى.
                            4-لم يرد أن تحتمس الأول مات ميتة فجائية أو غير طبيعية، بل مات ميتة عادية وخلفه ابنه تحتمس الثاني مستنداً إلى زواجه من الوريثة الشرعية (حتشبسوت).
                            كل هذه النقاط توجب رفض هذه النظرية أيضاً.
                            3- تحتمس الثاني هو فرعون موسى:
                            وهذا الرأي قال به ج دي ميسلي (J.De Micelli, 1960) الذي يدعي أنه توصل إلى تحديد زمن الخروج بهامش تقريبي يصل إلى يوم واحد وهو 9 أبريل عام 1495ق.س، وهذا من خلال حساب التقويمات، وعلى ذلك يكون تحتمس الثاني – وكان ملكاً في هذا التاريخ – هو فرعون الخروج، ومما أورده تأييداً لنظريته أن مومياء تحتمس الثاني مكتوب عليها وصف لأورام جلدية، وبما أن واحداً من ضربات مصر التي تذكرها التوراة هي طفح جلدي فهذا رأيه دليل مادي على أن تحتمس الثاني هو فرعون الخروج ! وفي رأينا أن هذا مثال للنظريات (أحاديثة النظرة ) إذ تأخذ من حدث واحد أساساً لنظرية مع تجاهل باقي الأحداث ومدى توافقها مع هذا الافتراض حتى أن موريس بوكاي الذي ذكر هذا الرأي (دراسة الكتب المقدسة ص 259) وصفه بأنه من أغرب الفروض وقال إنه لا يأخذ في اعتباره مطلقاً الأمور الأخرى في رواية التوراة وخاصة بناء مدينة بي رعمسيس، تلك الإشارة التي تبطل كل فرض عن تحديد الخروج قبل أن يكون أحد الرعامسة قد ملك مصر.
                            أما فيما يتعلق بأورام تحتمس الثاني الجلدية فإن ابنه – تحتمس الثالث وحفيده أمنحتب الثاني كانا أيضاً مصابين بأورام جلدية يمكن مشاهدتها على مومياواتهم بمتحف القاهرة. ويحدث هذا في الأورام العصبية الليفية المتعددة التي تصيب الجلد (Mutiple neuro Fibromatosis) والمعروفة بظهورها في أكثر من جيل في العائلة.
                            4- تحتمس الثالث هو فرعون الخروج:
                            ومعتقدوا هذه الفرضية يعتمدون على فقرة في التوراة تقول وكان في السنة الـ 480 لخروج بني إسرائيل من مصر في السنة الرابعة لملك سليمان على بني إسرائيل في شهر زيو هو الشهر الثاني أنه بني البيت الرب (ملوك أول 1:6) ولما كان حُكم سليمان قد بدأ عام 970ق.م فالعام الرابع هو 966 ق.م فإذا أضفنا إليها الـ 480 سنة لعاد ذلك بنا إلى عام 1446 ق.م أي في أواخر حكم تحتمس الثالث (1468 – 1436 ق.م ).
                            والحقيقة أن فترة الـ 480 عاماً هذه قد أثارت جدلاً كثيراً وسبت بلبلة في حساب الأزمنة. وهي تختلف في بعض ترجمات التوراة عما جاء في ترجمات أخرى، فمنها يجعلها 440 سنة فقط، ومنهم من يزيدها 580 عاماً ! وعلى هذا يرى كثيرون أن هذا الرقم كان تخميناً من أحد كتبة التوراة لأن هناك 12 جيلاً تقع بين الخروج وبين بناء هيكل سليمان وافترض واضع هذا الرقم لكل جيل 40 عاماً فيكون 12 × 40 = 480، ولو افترضنا لكل جيل 25 عاماً بافتراض أن الأبناء سيتزوجون في سن الخامسة والعشرين وهو افتراض معقول لكان 12 × 25 = 300 وهذا يقودنا إلى تاريخ الخروج في عام 1270 ق.م، أثناء حكم رمسيس الثاني.
                            ومعتقدوا الفرضية أن تحتمس الثالث هو فرعون موسى يقولون إن موسى انتشلته من الماء الملكة حتشبسوت عام 1527 ق.م، وأنه تربى في حاشيتها وبلاطها، ولما تولى تحتمس الثالث العرش – ولما هو معروف عنه من عداوة لحتشبسوت فإن موسى خشِيَ غضبته وفر من مصر، ثم عاد وكان الخروج في عام 1447 ق.م، وهذا الرأي يتعارض مع كثير من الحقائق مثل أن فرار موسى من مصر كان بسبب قتله للمصري، كما أنه في عهد تحتمس الثالث كان النفوذ المصري قوياً في فلسطين إذن أن تحتمس الثالث أسس إمبراطورية واسعة وطيدة الأركان واستمر النفوذ المصري قوياً في منطقة الشرق الأدنى وفي فلسطين بالذات أثناء حكم من خلفه من الفراعين أمنحتب الثاني 23 عاماً – تحتمس الرابع 8 أعوام – أمنحتب الثالث 37 عاماً أي لمدة 68 عاماً، فلم يكن باستطاعة بني إسرائيل بعد فترة التيه أن يضعوا قدماً واحدة في أرض فلسطين وحتى إن كان النفوذ المصري قد ضعف قليلاً أيام حكم أختاتون فإنه عاد ثانية بعد انتهاء ثورته الدينية وبلغ أوجه ثانية أيام سيتي ورمسيس الثاني.
                            زد على ذلك أن تحتمس الثالث لم يُدع الألوهية بعكس فرعون موسى الذي قال: {أنا ربكم الأعلى}كان تحتمس الثالث على درجة عالية من الأخلاق والتواضع، يقول عن نفسه: إني لم أنطق بكلمة مبالغ فيها ابتغاء الفخر بما عملته فأقول إني فعلت شيئاً دون أن يفعله جلالتي ولم آت بعمل فيه مظنّة، وقد فعلت ذلك لوالدي الإله آمون لأنه يعرف ما في السماء ويعلم ما في الأرض ويرى كل العالم في طرفة عين ( سليم حسن، مصر القديمة، جـ 4 ص 511)، وكان تحتمس الثالث رجل حرب قضى كثيراً من سنوات عمره في ميادين القتال وليس أدل على تواضعه من أنه لم يُرجع الفضل في انتصاراته إلى مهارته بل أرجعها كلها إلى تأييد إلهه آمون كما تشهد بذلك اللوحة التي أمر بإقامتها في معبد الكرنك وكتب عليها قصيدة على لسان الإله آمون مخاطباً ابنه تحتمس الثالث فيقول له (مع اختصارها ):
                            إن قلبي ينشرح لمجيئك الميمون إلى معبدي، ويداي تمنحان أعضاءك الحماية والحياة، إني أمنحك القوة والنصر على كل البلاد الجميلة، وإني أمكِّن مجدك والخوف منك في كل البلاد، والرعب منك يمتد إلى عمد السماء الأربعة، إني أجعل احترامك عظيماً في كل الأجسام وعظماء جميع البلاد الأجنبية جميعهم في قبضتك، وإني بنفسي أمدّ يدي وأصطادهم لك وأربط الأسرى بعشرات الألوف، إني أجعل الأعداء يسقطون تحت نعليك فتطأ الثائرين، كما أمنحك الأرض طولاً وعرضاً فأهالي المغرب وأهالي المشرق تحت سلطتك، إنك تخترق كل البلاد الأجنبية بقلب منشرح، وإينما حللت فليس هناك من مهاجم، وإني مرشدك ولذلك تصل إليهم، وعندما يسمعون نداء إعلان الحرب يلجئون إلى الجحور، لقد أرسلت رعب جلالتك سارياً في قلوبهم، والصل الذي على جبهتك يحرقهم بلهيبه ويقطع رؤوس الأسيويين ولا يفلت منه أحد بل يسقطون، إني أجعل انتصاراتك تنتشر في الخارج في كل البلاد، لقد عملت على كبت من يقوم بغارات ومن يقترب منك، لقد حضرتُ لأجعلك تتمكن من أن تدوس بالقدم عظماء فينيقيا ولأجعلك تشتت شملهم تحت قدميك، لقد حضرت لأمكنك من أن تطأ أولئك الذين في آسيا، وتضرب رؤساء عامو، لقد حضرت لأجعلك تطأ بالقدم الأرض الشرقية ولأجعلهم يشاهدون جلالتك مثل النجم الذي ينشر لهيبه كالنار، لقد حضرت لأجعلك تتمكن من أن تطأ الأرض الغربية، وهؤلاء الذين في وسط المحيط في الجزر وأن تطأ اللوبيين، لقد حضرتُ لأجعلك تطأ أقصى حدود الأرض.
                            يا أيها الثور القوي الذي يسطع في طيبة (( تحتمس )) المخلد الذي عمل لي كل ما تتوق إليه نفسي، لقد أقمتَ لي مسكناً وهو عمل سيبقى إلى الأبد، وجعلته أطول وأعرض مما كان عليه من قبل، إني لأثبتك على العرش مدة آلاف آلاف السنين حتى ترعى الأحياء إلى الأبد.
                            وهذه القصيدة تبين تواضح تحتمس الثالث واعترافه بفضل الإله (( آمون )) عليه في انتصاراته، فهو ليس ذلك المتكبِّر، المتجبر، مُدَّعي الألوهية، كما هو الحال مع فرعون موسى.
                            5-أمنتحب الثاني هو فرعون الخروج:
                            وهو تحوير بسيط في الفرضية السابقة إذ يزيد من فترة غياب موسى ويجعله يعود أثناء حكم أمنتحب الثاني، وهذا الرأي قال به دانييل روبس Daniel Rops في كتابه شعب التوراة Le people de la Bible. ولسنا في حاجة للإطالة في نقض هذه الفرضية إذ هي واهية كسابقتها.
                            6-أخناتون هو نفسه موسى !:
                            وهذه إحدى الفرضيات (( أحادية النظرة )) إذ ما دام أخناتون دعا إلى التوحيد وموسى كان أيضاً يدعو إلى التوحيد فهما شخص واحد !! وقائل هذا الرأي الغريب هو الأستاذ أحمد عثمان وهو مصري سافر إلى إنجلترا عام 1964 ودرس المصريات وأقام هناك، وألف كتابين: مضمون الأول يويا المصري هو نفسه (( يوسف )) عليه السلام، والثاني نشره عام 1989 شرح فيه نظريته من أن أخناتون هو نفسه موسى عليه السلام واختار له عنواناً جذاباً هو:
                            Moses, Pharaoh of Egypt. The mystery of Akhenaten resolved.. وبالرغم من وضوح فساد هذا الزعم فلا بأس من إيراد التصور الذي أورده كاتبه لبيان كيف يجنح الخيال بالبعض فيجعلهم يضعون تصورات غاية في الغرابة ويجعلنا نتساءل عن الدافع وراء كل هذا الافتعال.
                            يقول صاحب هذه الفرضية إن موسى قد أمضى طفولته في شرق الدلتا حيث تأثر بمعتقدات بني إسرائيل عن الإله وتشبع بها، ثم عاد إلى طيبة عاصمة مصر ومركز عبادة آمون وكان والده أمنحتب الثالث قد تدهورت صحته، وكان موسى هو الابن الثاني لأمنحتب الثالث من الملكة (( تي )) التي يقول إنها نصف مصرية ونصف إسرائيلية ! وأن الابن الأول لأمنحتب الثالث قد اختفى بطريقة غامضة، ومن هنا تخوَّفت الأم أن يصيب ابنها الثاني الذي هو موسى مكروه من كهنة آمون، ويرى أن كهنة آمون خافوا مغبة اعتلاء العرش شخص غير نقي الدماء المصرية تماماً أما وأباً، ورأى أمنحتب الثالث ما يتهدد العرش من غضب كهنة آمون فشايعهم في عدم تولي هؤلاء الأبناء العرش بل وأوحى إلى القابلات بقتل ابن الملكة إن كان ذكراً، ولما وُلد الابن الثاني – الذي هو موسى – ألقته أمه في النهر حيث سار به التيار من طيبة إلى أرض جوشن حتى التقطته أسرة من بني إسرائيل وتربى معها وتأثر بأفكار الإسرائيليين التوحيدية ولما ضعفت صحة أمنحتب الثالث استدعت الملكة (( تي )) ابنها من الأسرة الإسرائيلية التي التقطته، ولكي تكسبه صفة لولاية العرش زوجته من أخته غير الشقيقة (( نفرتيتي )) فهي ابنة امنحتب الثالث من زوجة مصرية وتولى موسى عرش مصر باسم أمنحتب الرابع ثم قام بثورته الدينية، وأعلن عن فكر التوحيد وحرَّم عبادة آمون وجميع الآلهة الأخرى، وتآمر عليه كهنة آمون، وأخبره الكاهن (( آي )) بالمؤامرة ونصحه بالهرب إلى سيناء وتولى توت عنخ آمون العرش ثم الكاهن (( أي )) ثم (( حورمحب )) ثم بدأت الأسرة التاسعة عشرة وتولى رمسيس الأول العرش، وهنا عاد موسى ليطالب بحقه في العرش، ولما لم يفلح في ذلك طلب من رمسيس الأول أن يسمح له بخروج بني إسرائيل من مصر تحت إمرته.
                            وهذه الفرضية المغرقة في الخيال مبنية على لخبطة الأوراق وقلب الأوضاع، فالأب المصري هو الذي يوحي بقتل ابنه أو يوافق الكهنة على فعلهم، والأم المصرية ألقت ابنها في النهر، والتيار يسير به حوالي 1000كم من طيبة حتى أرض جوشن، وأسرة إسرائيلية هي التي تلتقطه وتتبناه، والفرعون – الذي هو أخناتون – يهرب من مصر ثم يعود ليطالب بالعرش !
                            والهدف السياسي وراء كل هذا الافتعال غير خاف، فما دام موسى هو أخناتون، وأخناتون حكم مصر 17 سنة فإن لبني إسٍرائيل حقوقاً في مصر، ليس لأن موسى عاش بها، بل لأنه حكمها !!
                            7-توت عنخ آمون هو فرعون موسى:
                            القائل بهذا الرأي هو العالم اليهودي سيجموند فرويد الذي ادعى أيضاً أن موسى مصري وليس من بني إسرائيل وأن الديانة الموسوية مستقاة من عقيدة أخناتون ( سيجموند فرويد – موسى مصرياً – ترجمة محمد العزب موسى ). يقول: إن موسى كان أحد الأمراء المصريين المقربين من أخناتون ولكن لما حدثت الرِّدّة بعد أخناتون تم استبعاد موسى، ولما انهار أمله في حكم بلاده أراد أن يوجد لنفسه دوراً ما كزعيم، فتزعم بني إسرائيل وأعطاهم ديناً جديداً استقاه من عقيدة أخناتون التوحيدية، ثم قاد بني إسرائيل للخروج من مصر خروجاً سلمياً – ليس فيه مطاردة – إلى أرض فلسطين التي كان النفوذ المصري قد انحسر عنها أيام أخناتون لانشغاله بأفكاره الدينية، وكان الخروج في عهد توت عنخ آمون، ويقول جون ويلسون المؤيد لهذه النظرية إن موسى انتهز فرصة الضعف الذي ساد أخريات أيام أخناتون وعهد خليفتيه الضعيفين: (( سمنخ كارع )) و (( توت عنخ آمون )) ونجح في الخروج ببني إسرائيل من مصر وذلك بأن خادعوا الفرعون وهربوا إلى صحراء سيناء، ويوافق على هذه الفرضية آرثر ويجال ( تاريخ مصر القديمة، باريس، ص146، A. Weigal, 1986 ) ويحدد تاريخ الخروج بالعام 1346 ق.م ويرى أنه تم في آخر عهد توت عنخ آمون، كذلك يرى المؤرخ ويتش ( حضارة الشرق الأدنى، ص88، E.H. Weech ) أن موسى وقد أمضى طفولته وصباه وشبابه في قصر أخناتون، فقد عرف هذه العقيدة وآمن بها، فاستقى منها الديانة التي أعطاها لبني إسرائيل.
                            وهذه النظرية أيضاً تتجاهل حقائق تاريخية كثيرة مثل سابقتها:
                            1-أن موسى من بني إسرائيل وليس مصرياً، وإن كان قد تربى في قصر الفرعون.
                            2-تتجاهل التعذيب الذي نزل ببني إسرائيل، إذ أن طبيعة أخناتون المسالمة لا تتفق مع ذلك فضلاً عن بُعد مكان إقامتهم في شرق الدلتا عن العاصمة التي عاش فيها أخناتون، طيبة في أول أيامه ثم بعد ذلك في عاصمته الجديدة في تل العمارنة.
                            3-مما لا يعقل أن يقبل شعب أن ينصِّب على نفسه زعيماً وقائداً من جنس آخر، إلا أن يكون مفروضاً عليهم بالقوة – أو ارتضوه حتى يخرج بهم من مصر وما إن يتم لهم الخروج حتى يكون من الطبيعي أن ينتقضوا عليه برئيس من بني جنسهم.
                            4-إن التوحيد كان عقيدة بني إسرائيل أخذاً عن يعقوب أبيهم وإبراهيم جدهم والأخناتونية وإن كانت في نظر المصريين توحيداً إلا أنها في نظر بني إسرائيل رِدَّة عن التوحيد لتجسيدها الإله في قرص الشمس.
                            5-تدعى هذه النظرية أن الخروج تم بسلام وبدون مطاردة في حين أن الثابت في الكتب المقدسة هو أن فرعون الذي طارد موسى قد مات غرقاً، وقد أثبت الفحص الطبي لجثة توت عنخ آمون أنه مات مقتولاً بضربة على الرأس.
                            6-لو كان بنو إسرائيل قد خرجوا من مصر في عهد توت عنخ آمون واستقروا في فلسطين لكان حرياً بحور محب وسيتي الأول أو رمسيس الثاني القضاء عليهم في حملاتهم لاسترداد النفوذ المصري في منطقة الشرق الأدنى أو على الأقل كانوا قد أخضعوا الولايات اليهودية في فلسطين للفوذ المصري، الأمر الذي لم يتحدث به أحد، ولم يحدث أصلاً إذ أن بني إسرائيل لم يكونوا قد خرجوا بعد من مصر، ولما رأى فرويد المعارضة الشديدة لنظريته هذه تراجع عنها وقال إنه من المحتمل أن موسى قد عاش في عصر لاحق لأخناتون وتوت عنخ آمون !!
                            ويحق لنا أن نتساءل: كيف يتأتى لعالم مثل فرويد أن يقول بهذا الرأي، وتزول الغرابة إذا علمنا هويته اليهودية، إذ ما دام موسى مصرياً فإن لبني إسرائيل حقوقاً تاريخية في مصر ! وهذا هو الهدف السياسي الذي يرمي إليه كما فعل سلفه يوسف ابن متى عندما زعم أن الهكسوس الذين حكموا مصر هم أنفسهم بنو إسرائيل.
                            8-حور محب وأربعة فراعين آخرين. أي خمسة !!
                            يقول نيكولاس جريمال ( Nicolos Grimal, A History of Ancient of Ancient Egypt 1997. Blackwell, p 259 ) إن موسى تلقى تعليمه في سنواته الأولى في قصر الفرعون حو محب ورمسيس الأول، ثم عرف أنه من بني إسرائيل وانضم إليهم في عهد ((سيتي الأول ))، ثم فر من مصر إلى مدين بعد مقتل المصري، ثم كان تلقيه الوحي والرسالة والأمر بالعودة إلى مصر في السنوات الأولى من حكم رمسيس الثاني، ثم هو يوافق على ما يقوله كثير من المؤرخين من أن فرعون الخروج هو مرنبتاح.
                            ولو فرضنا أن حور محب قد تبنى موسى في منتصف مدة حكمه ورباه 13 عاماً يضاف إليها سنتان مدة حكم رمسيس الأول + 20 عاماً سيتي الأول + 67 عاماً مدة حكم رمسيس الثاني + 10 سنوات حكم مرنبتاح فيكون عمر موسى عند الخروج ببني إسرائيل هو 112 عاماً فإذا أضفنا إليها سنوات سيناء ثم التيه 40 عاماً ثم المسيرة حول أرض أدوم لبلغ عمر موسى عند وفاته حوالي 170 عاماً في حين أن عمر موسى لم يزد عن 120 عاماً.
                            9-رمسيس الثاني هو فرعون موسى:
                            وأصحاب هذا الرأي كثيرون، منهم: أولبرايت - إيسفلت - روكسي - أونجر – الأب ديڤو R.P. de Vaux ويتفق هذا الرأي مع حقيقة مكان معيشة بني إسرائيل في أرض جاسان وعاصمة رمسيس الثاني الجديدة في الشمال التي تتيح التقاط موسى من النهر، كما تحقق تسخير بني إسرائيل في بناء مدينتي بي رعمسيس وفيثوم المذكورتين في التوراة، وأكثر ما يثير الدهشة هو أن الأب ديڤو – وهو مدير مدرسة الكتاب المقدس ويؤمن بأن الفرعون قد مات غرقاً وهو يطارد الهاربين، ثم يعود فيقول إن الخروج قد حدث في النصف الأول من حكم رمسيس الثاني، مع أن غرق الفرعون يعني نهاية حكمه لا منتصفه، والحقيقة أن هذه النظرية – أن فرعون موسى هو رمسيس الثاني – تتفق مع كثر من النقاط التي يجب توافرها في ذلك الفرعون، إلا أن عدة عقبات حالت دون القبول التام لهذه النظرية:
                            1-العقبة الأولى من التوراة: وهو ما جاء بسفر الخروج 23:2 (( وحدث في تلك الأيام الكثيرة أن ملك مصر مات )) إذ معناها أن الفرعون ( رمسيس الثاني ) قد مات وتولى ابنه (( مرنبتاح )) العرش، وفي رأينا أنهم اضطروا لهذا القول لسببين.
                            ·أن يتمشى ذلك مع عمر موسى الذي قرروه في إصحاح 7 خروج: 7 وكان موسى ابن ثمانين سنة وهارون ابن ثلاث وثمانين سنة حينما كَلَّما فرعون، ولما كان موسى قد فر من مصر وعمره 45 سنة كان معنى ذلك أنه أمضى في مدين 35 سنة، وهي مدة طويلة جداً لا يستقيم معها أن يفكر موسى بعد ذلك في العودة إلى مصر، ويكون بنو إسرائيل في هذه الفترة قد نسوا بطلهم ولا يعود لهم الحماس لقيادته لهم بعد أن غاب عنهم هذه الفترة الطويلة.
                            ·أنهم أيضاً قالوا بموت الملك حتى يتمشى مع ما جاء بالإصحاح خروج 19:4 (( وقال الرب لموسى في مديان، اذهب ارجع إلى مصر لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك )) والواقع أن كلمة (( جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك )) لا تعني فرعون بقدر ما تعني أهل المصري القتيل، فهم الذين كانوا يطلبون نفس موسى وكان الفرعون ينفذ طلبهم بالثأر لهم والأخذ بدمهم، فلما ماتوا لم يعد لدى الفرعون دافع قوي، وفي رأينا أن الفقرة 23 من الاصحاح 2 خروج كانت (( وحدث في تلك الأيام أن القوم الذين كانوا يطلبون نفس موسى ماتوا )) وليس (( ملك مصر مات )).
                            2-العقبة الثانية من الآثار المصرية وهي اللوحة المعروفة باسم (( لوح إسرائيل )) أو ((لوح مرنبتاح )) والذي كتب على الأرجح في العام 1220 ق.م وفيه يقول مرنبتاح إنه قد أباد بذرة إسرائيل من فلسطين، ولما كان الخروج قد حدث في العام 1225 ق.م فهذا لا يترك فترة بين الخروج من مصر ودخول أرض فلسطين سوى 5 سنوات، وهذا ما جعل كثيراً من المؤرخين – وخاصة الإسلاميين يرفضون الرأي القائل بأن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج لأن القرآن الكريم ينص صراحة وبوضوح على أن فترة التيه هي أربعون سنة، ولم يتصد أحد لتفسير ما جاء بلوح مرنبتاح تفسيراً يسمح بفترة التيه وهي أربعون سنة، كما لم يفطنوا إلى ما قد يكون في هذا اللوح من مبالغة، وهو أمر مألوف لدى الفراعين عند تسجيلهم لما قاموا به من أعمال وخاصة نتائج حروبهم، بل تشبثوا بحرفية ما جاء في هذا اللوح وسنناقش ذلك بتفصيل أكثر فيما بعد.
                            3-كذلك كان من الاعتراضات التي أثيرت ضد نظرية أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى قولهم إن فرعون موسى ادعى الألوهية في حين أن رمسيس الثاني كان يؤمن بأربعة آلهة هم (( آمون ورع وبتاح وسوتخ ))، وسمى فرق جيشه الأربع في معركة قادش بأسماء هذه الآلهة ( الدكتور محمد وصفي، الارتباط الزمني والعقائدي بين الأنبياء والرسل، ص154). ويمكن الرد على هذه النقطة بأن معركة قادش كانت في السنة الخامسة من حكم رمسيس الثاني، في حين أن عودة موسى لمصر كانت في السنة 62 من الحكم أي بعد معركة قادش بـ 57 عاماً وهي فترة طويلة من الحكم المطلق والمديح المستمر من وزرائه ورجال البلاط ومن الشعب، وتمجيد لأفعاله ولابد أن كل ذلك قد أحدث أثره، وخاصة أنه كان عنده نزعة تعاظمية منذ صغره فكان أن نتج عن ذلك شعور بالكمال وظن نفسه مخلداً كالآلهة وانتهى به الأمر أن ادعى الألوهية.
                            4-وكان آخر الاعتراضات التي أثيرت ضد هذه النظرية ما هو معروف من أن رمسيس الثاني كان له ما لا يقل عن مائة ولد ما بين ذكر وأنثى، إذ لم يستطيعوا التوفيق بين ذلك وما ورد في القرآن الكريم من أن فرعون موسى لم يكن له ولد فاضطر إلى تبني موسى ﴿ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ [ القصص: 9 ] وفهموا من هذه الآية أن فرعون موسى كان عقيماً، وسنشرح فيما بعد ( ص702 ) أن التبني لم يكن بسبب عقم الفرعون أو عقم نسائه، بل كان حرماناً مؤقتاً من الولد بوفاة الأبناء وهم صغار حتى تنفذ إرادة الله في تبنى الفرعون لموسى، ثم بعد ذلك زالت هذه (( اللعنة )) وعاش أبناؤه حتى بلغوا أكثر من مائة، وقد ثبت أن رمسيس الثاني – في العشر سنوات الأولى بعد زواجه – كان أبناؤه يموتون وهم رُضَّع، وهذا هو اسبب قبوله لتبني موسى.
                            المهم أن أصحاب نظرية أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى لم يستطيعوا الدفاع عن رأيهم فكان أن رضخوا لافتراض آخر هو:
                            10-رمسيس الثاني فرعون التسخير ومرنبتاح فرعون الخروج:
                            وأصحاب هذا الرأي يعتقدون أن خروج بني إسرائيل من مصر كان خروجاً سلمياً ليس فيه مطاردة، وأن مرنبتاح تعقبهم بعد أن وصلوا فعلاً إلى فلسطين، ويعبر عن هذا الرأي ما يراه (( چان يويوت )) ( مصر الفرعونية، مترجم، القاهرة 1966 ص40 ) من أن بني إسرائيل انتهزوا فرصة انشغال جيش مصر في صد غزوة الليبيين لحدود مصر الغربية في السنة الخامسة من حكم مرنبتاح فهربوا من مصر، ثم بعد أن فرغ مرنبتاح من حربه مع الليبيين جرد حملة إلى فلسطين وأباد بني إسرائيل هناك.
                            ويعتمد أصحاب هذه النظرية على عدة نقاط:
                            1-ما ورد في التوراة ( خروج 23:2 ) من أن ملك مصر قد مات، أي أن رمسيس الثاني مات وتولى الحكم بعده ابنه مرنيتاح، وقد ذكرنا في الصفحة السابقة أن المفهوم الآخر الوارد في الإصحاح 9:4 هو الأقرب للصحة وأن من مات حقيقة هم أقارب المصري الذي قتله موسى لا الفرعون.
                            2-كذلك قالوا إن مرنبتاح هو القائل: ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ [ الشعراء: 18 ] مشيراً بذلك إلى والده رمسيس الثاني الذي ربى موسى، وإن كان يُرَدُّ على ذلك بالسؤال: ولم لا يكون رمسيس الثاني نفسه هو قائلها ؟ ويكون هو الذي يمن على موسى بحق الرباية، كما أن الأكثر إيلاماً للنفس والأدعى إلى الحزن هو أن يرى من كان يربيه ويرجو المنفعة من ورائه ﴿ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ [ القصص: 9 ] هو نفسه الذي كان سبباً في هلاكه فكأنه التقطه ليكون له عدواً وحزناً، كما قرر القرآن الكريم: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾ [ القصص: 8 ] وبالرغم من كل أسباب الحيطة والحذر الذي اتخذها رمسيس الثاني دفعاً للنبوءة فقد تحققت النبوءة وكان هلاك الفرعون وجنوده ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [ القصص: 6 ] وهذا أبلغ في العبرة من أن يكون الذي سخر وتكبر وتجبَّر قد مات في سريره ميتة طبيعية في حين يكون الغرق من نصيب ابنه، وخاصة أن مدة حكم رمسيس الثاني طويلة تسمح بوقوع كل الأحداث في عهده، وتكون الآية بلفظ البحر لجثته تمثيلاً به لأفعاله ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ [ يونس: 92 ].
                            3-إلا أن السند الأساسي لهذه النظرية هو اللوح المسمى (( لوح مرنبتاح )) أو (( لوح إسرائيل )) وقد ذكرناه باختصار في سياق الاعتراضات التي أثيرت ضد نظرية رمسيس الثاني فرعوناً للتسخير والخروج معاً، ومن المناسب أن نتوسع قليلاً في ذكر شيء عن هذا اللوح ما دام هو السند الأساسي لنظرية (( مرنبتاح فرعون الخروج )).
                            هذا اللوح عبارة عن لوحة تذكارية منقوشة على الجرانيت الأسود مكتوب عليها قصيدة تسجل انتصار مرنبتاح على الليبيين واللوح محفوظ بالمتحف المصري، ومن يريد القصيدة كاملة يمكنه الرجوع إلى كتاب مصر القديمة ( سليم حسن ) جـ7 ص96، والقصيدة في مجموعها فخار بالنصر العظيم الذي أحرزه الملك على الليبيين في السنة الخامسة من حكمه وبه نجت مصر من خطر عظيم، والقصيدة تزخر بالاستعارات والتشبيهات المختارة مما أسبغ عليها صورة أدبية أكثر من أن تكون وثيقة تاريخية خالصة، وقد وصف فيها الشاعر هزيمة الأعداء بمهارة والأعمال الجسام التي قام بها (( مرنبتاح )) للذود عن حياض بلاده وتخليصها من غارات الليبيين وكسر شوكتهم، ولم يفته أن يصف الفرعون بالعدل والاستقامة فيقول: فهو يعطي كل ذي حق حقه، فالثروة تتدفق على الرجل الصالح، أما المجرم فلن يتمتع بغنيمة ما، ثم ينتقل الشاعر إلى وصف السلام والطمأنينة والرخاء التي سادت البلاد بعد هذا الانتصار فيقول: فحتى الحيوان قد ترك جائلاً بدون راع في حين أن أصحابها يروحون ويغدون مغنيين، وليس هناك صياح قوم متوجعين، وفي ختام القصيدة يُعدِّد الشاعر القبائل والأقاليم التي أخضعها مرنبتاح وهذا نصها – لأن هذا الجزء هو بيت القصيد:
                            ويقول الرؤساء المطروحين أرضاً: السلام! ولم يعد يَرفع واحد من بين قبائل البدو تسعة الأقواس رأسه ( وهذا اسم قديم لجيران مصر المعادين لها ).
                            (( التحنو )) قد خربت ( إحدى القبائل التي كانت تسكن ليبيا ).
                            وبلاد (( خاتي )) قد أصبحت مسالمة.
                            وأزيلت (( عسقلان )).
                            و (( جازر )) قبض عليها.
                            و (( بنوم )) أصبحت لا شيء.
                            وإسرائيل خربت وليس لها بذر.
                            و (( خارو )) أصبحت أرملة لمصر.
                            وكل الأراضي قد وجدت السلم.
                            وكل من ذهب جائلاً أخضعه ملك الوجه القبلي والوجه البحري ابن (( رع )) محبوب ((آمون)) ابن الشمس (( مرنبتاح )) منشرح بالصدق.
                            معطى الحياة مثل (( رع )) كل يوم.
                            وأهمية هذه القصيدة في نظر المؤرخين هي ذكر قوم بني إسرائيل وبخاصة لأنها المرة الأولى والوحيدة التي يأتي فيها ذكرهم بالاسم في الآثار المصرية، ولما كان بنو إسرائيل قد بدأوا إقامتهم بمصر أيام يوسف ولم يذكر عن ذلك شيء في الآثار المصرية، فإن ذكر اسمهم هنا لابد له علاقة بخروجهم من مصر، وقد اختلف العلماء حول ما يفهم من هذه العبارة.
                            فبعضهم مثل پتري ( Petrie, Israel in Eygpt, p.35 ) يرى أن إسرائيل كانوا في الوقت الذي كتبت فيه هذه اللوحة في فلسطين.
                            أما الأستاذ ناڤيل ( Naville, Archeology of the Old Testament ) فيرى أن اللوحة تدل على أن بني إسرائيل قد خرجوا من مصر قبل (( مرنبتاح )) أو في أوائل حكمه، ولكن هذا الافتراض الأخير يتنافى مع الحقيقة المؤكدة وهي أن فرعون الخروج غرق أثناء مطاردته لنبي إسرائيل، فلا يمكن أن يكون الخروج حدث في أوائل حكم مرنبتاح بل يكون قد حدث في أواخر حكم رمسيس الثاني الذي غرق أثناء مطاردتهم، وهكذا نرى أن لوح مرنبتاح الذي اتخذوه دليلاً لمعارضة نظرية – رمسيس الثاني هو فرعون الخروج – في الحقيقة هو دليل على صحتها. نقطة ثانية يقولها ناڤيل ذلك أنه لا يعتقد أن الإشارة إلى سوريا في اللوحة تشير إلى حرب حقيقة وقعت في سوريا. والحقيقة أنه لا يوجد ما يدل على أن مرنبتاح قد قاد أو سيَِّر حملة إلى سوريا، كما أن ما ذُكر من أن (( بلاد خاتي )) أصبحت مسالمة – هو – كما يقال: من قبيل تحصيل الحاصل لأنها كانت مسالمة منذ المعاهدة التي وقعها والده رمسيس الثاني مع ملكها ويكون ذكر ذلك على أنه من أعمال مرنبتاح هو مبالغة من مبالغات الفراعين التي اشتهروا بها عند تدوين سجل أعمالهم، ولعله أراد الإشارة إلى أنه لم يهمل الجبهة الشرقية وكانت له فيها انتصارات كما أحرز الانتصارات في الغرب على الليبيين.
                            ويذكر سليم حسن عالم المصريات ( مصر القديمة جـ7 ص111 ) أن علماء الآثار واللغة قد ترجموا الجملة التي وردت عن إسرائيل (( وليس لها بذر )) على وجهين بعضهم قال إن محاصيلهم قد ذهبت أو ليس لهم غلة، والأصح الوجه الآخر كما قال پرستد: وإسرائيل قد أقفروا بذرتهم قد انقطعت أو كما قال ناڤيل: وإسرائيل قد مُحي وبذرته لا وجود لها، والواقع أن كلمة (( بذرة )) تدل على (( الخَلَف )) وفي الدول العربية للآن نجد أنهم يستعملون كلمة (( بذرة )) بمعنى (( النسل )) أو (( الأولاد ))، وسؤال شائع لديهم: كيف حال البذور ؟ ويقال لمن لا نسل له (( لقد انقطعت بذرته )).
                            كذلك ذكر العالم سليم حسن أن جميع البلاد التي ذكرت: خاتي – جازر – عسقلان وغيرها أُلحق بكل منها رسم مخصص يدل على أنها بلاد أجنبية أما اسم إسرائيل فقد كان الاسم الوحيد الذي استثنى من هذا الرسم وهو ما يعني أنه لم يكن لبني إسرائيل في ذلك الوقت ((أرض محددة )) وكان الرسم الذي ألحق باسم إسرائيل هو صورة رجل وامرأة دلالة على أنهم مجرد جمع من الناس وليسوا (( دولة )) مما يدل على أن الشاعر الذي تغنى بانتصار ((مرنبتاح )) وصاغ هذا النشيد كان يعني أن بني إسرائيل يومئذ لم يكن لهم مكان محدد في أرض فلسطين، ولا سبيل إلى التشكيك في طريقة كتابة القصيدة بما يقال من احتمال خطأ الكاتب المصري القديم وسهوه، فقد كان واعياً لما يكتب وأورد أسماء الشعوب والبلاد الأجنبية في ذلك النص 19 ( تسعة عشر ) مرة لم يغفل رسم رمز الأرض الأجنبية في واحدة منها سواء ما سبق اسم إسرائيل أو ما ورد بعده، ويخلص من ذلك إلى أن أنشودة النصر هذه تشير إلى طائفة من (( بني إسرائيل )) كانت في بعض بقاع فلسطين أو تخومها حين خرج مرنبتاح لقمع ثورة هناك، وهذا يعني أنهم قد خرجوا من مصر قبل عهده، كما يرى الدكتور عبد العزيز صالح ( الشرق الأدنى القديم جـ1 ص255 ) أن لوح مرنبتاح قد اعتبر (( إسرائيل)) من (( نزلاء )) فلسطين ولم يذكر تتبعه لهم من مصر وذلك يعني أنهم دخلوا فلسطين قبل عهده أي أنهم خرجوا من مصر قبل عهده أي في أواخر عصر رمسيس الثاني.
                            وهنا تبرز مشكلة سنوات التيه، إذ الثابت دينياً أن بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر لم يتوجهوا مباشرة إلى فلسطين بل أمضوا أربعين سنة في التيه في سيناء ثم بعد ذلك توجهوا إلى أرض فلسطين، فإذا افترضنا سنة قبل التيه وسنة بعده للإعداد لدخول الأرض لكان المجموع 42 سنة وفي أثنائها كان قد توفي ستة من الفراعنة:
                            مرنبتاح....حكم
                            10
                            سنة
                            سيتى الثاني....6سنةآمنموس....1سنة بوصاية باي
                            سابتاح مرنبتاح....
                            6
                            سنةالملكة تاوسرة
                            ..حكمت
                            8
                            سنةست نخت..حكم1سنة42سنة

                            أي أن بني إسرائيل لما بدأوا دخول أرض فلسطين كان رمسيس الثالث هو فرعون مصر أما قبل ذلك فلم يكن لهم وجود في فلسطين، فكيف يحق لمرنبتاح أن يذكر في أنشودة النصر: ((وإسرائيل خربت وليس لها بذر )) أو كما ترجمت: وقد أبدت بذرة إسرائيل ؟
                            بعض العلماء الذين يتمسكون بنظرية (( مرنبتاح فرعون الخروج )) يُسقطون سنوات التيه من حسابهم وينكرونها ويقولون إن بني إسرائيل توجهوا لفلسطين بعد خروجهم من مصر في آخر حكم رمسيس الثاني وأن مرنبتاح قد طاردهم هناك و (( أباد بذرتهم فعلاً )) ويستدلون على قوة النفوذ المصري في فلسطين أيام حكم مرنبتاح بعثور الأثريين على إناء مكسور عليه كتابة مصرية لأحد جباة الضرائب المصريين في بلدة (( لخيش )) في فلسطين وقد سجَّل فيها تسلمه لشحنة من القمح في السنة الرابعة من حكم مرنبتاح، كما يرى البعض ( د. محمد بيومي مهران. مصر والشرق الأدنى القديم جـ3 ص500 ) أن السيادة المصرية على فلسطين في ذلك الوقت كانت من القوة بحيث لا تتيح لجموع بني إسرائيل – غير المسلحين بأسلحة – دخول أرض فلسطين أصلاً فلا محل للقول بأن بني إسرائيل كانوا قد استقروا في فلسطين لبعض الوقت ثم ذهب مرنبتاح وأباد بذرتهم وأعاد النفوذ المصري إلى فلسطين ثانية.
                            ويَجُبّ هذا كله أن سنوات التيه ثابتة لورودها في القرآن الكريم وفي التوراة أيضاً فلا محل لإسقاطها أو إنكارها، وما دام الأمر كذلك كيف تسنى لمرنبتاح أن يذكر في اللوح أنه أباد بذرة إسرائيل في حين أنهم كانوا لا يزالون في التيه في سيناء ؟ والجواب هو في أحد الاهتمامات التالية:
                            1-أنه ذهب إلى فلسطين ووجد بعضاً من (( العابيرو )) – وهم كما ذكرنا أقرباء لبني إسرائيل وفرع منهم – فأبادهم، وظن أو ادعى أنه أباد بني إسرائيل.
                            2-أنه ذهب إلى فلسطين ولم يجد بني إسرائيل وبحث عنهم في أنحاء فلسطين فلم يجدهم فاعتقد أنهم هلكوا في الصحراء ونسب هلاكهم إلى نفسه.
                            3-الاحتمال الثالث هو أن مرنبتاح لم يقد أو يرسل حملة إلى فلسطين إطلاقاً، وأنه كما نسب السلام مع (( خاتي )) لنفسه فقد أراد أن يؤكد أنه لم يقل عن سلفه في اهتمامه بأملاك مصر في آسيا، فكان أن ضمَّن نصره على الليبيين نصراً في الشرق أيضاً، فأضاف خاتي وجازر وعسقلان وبالمثل كانت إضافته لاسم إسرائيل وكان ذلك أسهل إذ أنهم لم يكونوا دولة بل قوماً بدون أرض كما هو واضح من طريقة ذكرهم في (( لوح إسرائيل )).
                            4-ويقول الدكتور محمد بيومي مهران ( مصر والشرق الأدنى القديم جـ3 ص506 ): إن لوح مرنبتاح قد حدد البعض تاريخ كتابته بالعام الخامس من حكم مرنبتاح، وحملة مرنبتاح على سوريا كانت في العام الثالث لحكمه وبما أن الثابت أن الفرعون قد غرق أثناء مطاردته لبني إسرائيل كان معنى ذلك أن هذا اللوح قد كتب بعد غرق الفرعون وكتبه خَلَفه تخليداً لذكرى انتصاره على الليبيين، وأضاف إليهم (( بذرة إسرائيل قد أبيدت )) كنوع من الافتخار الكاذب إذ كيف يتأتى للفرعون وقد غرق أثناء مطاردتهم أن يدعى أنه أبادهم ؟
                            وما دام الافتخار الكاذب قد وُضع في الاحتمالات فلماذا لا يكون كاتب اللوح هو مرنبتاح نفسه لا خلفه، وأنه هو صاحب الافتخار الكاذب ويكون فرعون الخروج هو رمسيس الثاني وهو الذي غرق أثناء مطاردته لبني إسرائيل.
                            مما سبق نرى أن لوح إسرائيل أو لوح مرنبتاح – وهو السند الأكبر لنظرية أن مرنبتاح هو فرعون الخروج تأكد عدم صدق الفقرة الواردة به والمتعلقة ببني إسرائيل ويصبح هذا اللوح في حقيقته دليلاً على أن الخروج تم قبل عصر مرنبتاح، وقد أشار چيمس بيكي – عالم الآثار الشهير – إلى ذلك إشارة مقتضية بقوله – وإن مركز مرنبتاح كفرعون الخروج قد اهتز بسبب كشف لوحة النصر أي لوح إسرائيل – ( الآثار المصرية في وادي النيل جـ3 ص171 ).
                            وبالرغم من كل ذلك فإن هذه النظرية – مرنبتاح هو فرعون الخروج – تلقى قبولاً واسعاً لدى علماء الآثار المصريين والأجانب على السواء، وبلغ التعصب ببعض مؤيدي هذه النظرية إلى حد أن ينكروا غرق الفرعون الذي خرج بنو إسرائيل في عهده، فنرى الدكتور سليم حسن ( مصر القديمة جـ7 ص135 ) يقول: والواقع أنه لا يمكن للإنسان أن يتصور غرق الفرعون وعربته في ماء ضحضاح لا يزيد عمقه عن قدمين أو ثلاثة، بل المعقول أن خيل الفرعون وعرباته قد ساخت في الأوحال وسقط بعض ركابها وهذا يفسر ما جاء في سفر الخروج 25:14. وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقله. ويستمر قائلاً: هذا فضلاً عن أن ما جاء في القرآن الكريم لا يُشعر بأن الفرعون الذي عاصر موسى وطارده قد غرق ومات، بل على العكس نجَّاه الله ببدنه ليكون آية للناس على قدرة الخالق. والتعبير: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ [ يونس: 92 ] تعادل التعبير العامي (( خُلُص بجلده )) !! وهذا منتهى التعسف في تفسير آي القرآن الكريم، إذ أن آيات القرآن الكريم تؤكد بصراحة ووضوح غرق الفرعون هو وجنوده، كما أن مكان الغرق لم يكن قدمين أو ثلاثة كما يدَّعون بل كان: ﴿ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ [ الشعراء: 63 ].
                            هناك دليل أخير يستند إليه أصحاب نظرية (( مرنبتاح فرعون الخروج )) هو ما يشير إليه عالم الآثار (( سايس )) إذ يقول إن الآثار المصرية تحصر حادثة الخروج في حكم الفرعون مرنبتاح ولدينا بين الأوراق البردية المحفوظة في المتحف البريطاني وثيقة تعرف بورقة ((أنسطاسي السادسة )) وتشمل خطاباً من كاتب الملك مرنبتاح كتبه لرئيسه يقول فيه: إن بعض بدو (( شاسو )) – أدوم – قد سُمح لهم حسب التعليمات التي لديه أن يجتازوا الحصن الذي في إقليم سكوث ( تل المسخوطة ) في وادي طميلات ليُتاح لهم رعي ماشيتهم بالقرب من بتوم. ونص الخطاب كالآتي: أمر آخر يا سيدي، لقد انتهينا من ملاحظة مرور قبائل ((شاسو )).. التابعين (( لأدوم )) من حصن (( مرنبتاح حتب حرماعت )) له الحياة والفلاح والصحة في (( سكوث )) نحو برك (( بتوم )) لأجل أن يطعموهم ويطعموا قطعانهم في ضياع الفرعون له الحياة والفلاح والصحة وهو الشمس الطيبة لكل أرض مصر.. ( مصر القديمة، سليم حسن، جـ6 ص588 ).
                            وتدل وثائق أخرى على أن الحراسة في هذا الوادي كانت شديدة إلى حد بعيد، كذلك كانت المراقبة عظيمة على الطريق الرئيسية إلى آسيا في قلعة (( سيلة )) ( تل أبو صيفة الحالي ) إذ وصل إلينا أجزاء من يوميات موظف في إحدى المدن الواقعة على حدود فلسطين في عهد مرنبتاح دوَّن فيها أسماء المبعوثين والأعمال التي كُلِّفوا أداءها ممن يجتازون هذا الحصن في طريقهم إلى فلسطين، وكان المرور منه محرّماً في عهد رمسيس الثاني إلا لمن كان لديه تصريح بالخروج. ويقول الأستاذ (( سايس )). وهذ الخطاب (( ورقة أنسطاسي السادسة )) كتب في السنة الثامنة من حكم مرنبتاح. ومن البدهي أن هذا لا يمكن أن يحدث إذا كان بنو إسرائيل لا يزالون يقيمون في أرض (( جوشن )). وعلى ذلك فلابد أن واقعة الخروج قد حدثت في وقت ما قبل هذا التاريخ. وهذا يجعل تاريخ الخروج على أية حال قريباً من تاريخ نقش اللوحة. أي أنه يستنتج أن هذا الخطاب يؤيد أن الخروج حدث في عهد مرنبتاح في السنة الخامسة من حكمه ولكنه يختم استنتاجه قائلاً عن زمن الخروج: بل يجوز أن يتقدم عن هذا التاريخ.
                            ومن المؤكد أن الخروج – استنتاجاً من هذا الخطاب يتقدم عن هذا التاريخ إذ أن وسائل الاتصالات في ذلك الزمن كانت بطيئة، فإذا فرضنا أن الخروج حدث في زمن ما. فقد يمر عام قبل أن تدري الدول المجاورة التي تقع خارج النفوذ المصري – بخروج بني إسرائيل من مصر. وقد يمر عام آخر حتى يتأكد أنهم قد خرجوا من مصر إلى غير رجعة. وقد يمر عام ثالث إلى أن يقرر رؤساء (( آدوم )) إرسال بعثة إلى فرعون مصر ليسمح لرعاتهم بالرعي في الأرض التي كان يقطنها بنو إسرائيل ويمر وقت آخر قبل أن يدرس الفرعون الموضوع مع مستشاريه والتحقق من أن هؤلاء الرعاة ليسوا جواسيس أو أعوان لدولة أجنبية تخطط لغزو مصر. فإذا وضعنا مجموع هذه الأوقات في الاعتبار لعاد بنا زمن الخروج إلى أول عصور مرنبتاح أي آخر عصر رمسيس الثاني.
                            وهكذا يتضح لنا أن هذا الدليل الأخير (ورقة أنسطاسي السادية ) تشير أيضاً إلى أن مرنبتاح ليس هو فرعون الخروج.
                            من هذا نخلص إلى أن كل الاعتراضات التي أثيرت ضد نظرية أن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج وعلى أساسها افترضوا أن مرنبتاح هو فرعون الخروج – هذه الاعتراضات بعد تفنيدها انقلبت إلى اعتراضات على نظرية مرنبتاح نفسها وأصبحت دلائل على صحة الرأي القائل بأن رمسيس الثاني هو فرعون التسخير وفرعون الخروج معاً، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن أصحاب هذه النظرية لم يستطيعوا أو بالأحرى لم يجتهدوا في الدفاع عنها.
                            لقد حاولت هذه الدراسة الإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه وتمحيص الأدلة المقدمة على أوجهها المختلفة وأصبح الميزان الآن يميل لصالح النظرية التي تقول إن رمسيس الثاني هو فرعون التسخير وفرعون الخروج أيضاً. وإن كان البعض قد يرى فيما ذكر بعض الإطالة فما ذلك إلا لاقتناعنا بأن تحديد شخصية هذا الفرعون سيساعد على إبراز جوانب جديدة في قصة موسى عليه السلام كما أنه أثناء سرد القصة – ستتضح للقارئ أدلة أخرى – مستمدة من القرآن الكريم – تؤكد أن رمسيس الثاني هو – بلا شك – فرعون موسى ويكون في ذلك نهاية للجدل الطويل الذي دار حول هذا الموضوع.
                            مثال ذلك ملخص قصة هذا الفرعون التي وردت في سورة النازعات:
                            {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات 15-26].
                            فالفرعون طغى بأن سخر وعذب واستعبد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، فذهب إليه موسى وأراه معجزات كثيرة عُبّر عنه جميعاً بلفظ الآية الكبرى فكذب الفرعون وراح يدعي لنفسه الألوهية فنكّل به الله في الدنيا بالإغراق في البحر وفي الآخرة له عذاب النار، والضمير في (فأخذه) عائد إلى (فرعون) الذي طغى فهو فرعون واحد من أول الأمر إلى آخره ونفس هذا المعنى يفهم من هذه الآيات من سورة الدخان:
                            {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 17-31].
                            المصدر: كتاب موسى وهارون عليهما السلام من هو فرعون موسى؟ تأليف الدكتور رشدي البدراوي الأستاذ بجامعة القاهرة

                            إلهي: أذقني طعم عفوك يوم ***لا بنون ولا مالَ هناك ينفع


                            تعليق


                            • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                              أخوتى وأخواتى
                              لكى تستكمل المعرفة
                              من هو فرعون موسى
                              نطرح هذا
                              -----------------
                              رمسيس الثاني فرعون مصر
                              تمثال رمسيس الثاني (معبد أبو سنبل في الأقصر)
                              الدكتور رشدي البدراوي
                              أستاذ بجامعة القاهرة وباحث وكاتب إسلامي
                              الرعامسة وبنو إسرائيل
                              بعد موت حورمحب وانتهاء حكم الأسرة الثامنة عشرة، والتي بدأت عهدها بتحرير مصر من الهكسوس ومطاردتهم في فلسطين، ثم تطلع ملوك مصر إلى أرض فلسطين والشام وأدركوا الغنم الذي يأتي من الاستيلاء عليها، ومن ثم وضعت نواة الإمبراطورية المصرية في الشام وأرض كنعان، ولما تقلصت هذه الأملاك في عهد أخناون ( ص 589) أعاد حورمحب الاستيلاء عليها وأعاد نفوذ مصر إلى ما كان عليه من قبل.
                              ثم جاء ملوك الأسرة التاسعة عشرة وبدأ سيتي الأول توسيع رقعة الإمبراطورية وواصل رمسيس الثاني التوسيع في شمال سوريا واصطدم – مثل والده – بالحيثيين وحكم 4 ملوك من الأسرة التاسعة عشرة أولهم رمسيس الأول ثم ابنه سيتي الأول ثم رمسيس الثاني ثم مرنبتاح، ورمسيس تكتب أحياناً رعمسيس وجمعها رعامسة.
                              رمسيس الأول:
                              تولى رمسيس الأول الحكم بعد حورمحب، وهو الذي أسس الأسرة التاسعة عشرة وكان رجلاً طاعناً في السن ولم يدم حكمه سوى عامين (1308-1306ق.م).
                              كان رمسيس الأول قائداً حربياً ناجحاً في عهد حورمحب، وهو ينتسب إلى أسرة قوية من بلدة تانيس ( صنان الحجر ) واسمه ( بارع مسسو) اطمأن إليه حورمحب وجعله الرجل الثاني في الدولة، ثم عهد إليه بالحكم من بعده، لذلك انتقل إليه الحكم بسهولة بعد وفاة حورمحب، فاعتلى العرش عام 1308 ق.م، باسم ( بارع مسسو من بحثي رع) بمعنى رع أنجبه ودامت قوة رع ( د. عبد العزيز صالح. الشرق الأدنى القديم. جـ 1 ص 243) ثم اكتفى بالشطر الأول من الاسم (_ رعمسيس ) أو ( رمسيس)، ولما كان كبيراً في السن فقد استعان بولده ( سيتي ) على تصريف شؤون البلاد، وقد تولى الحكم من بعده، ولعل مآثرة رميس الأول هب بدؤه تشييد بهو الأعمدة العظيم في الكرنك.
                              سيتي الأول:
                              تولى سيتي الأول الحكم بعد أن تعدى سن الأربعين، فجمع بين نضج السن بالإضافة إلى مرانة في عهد أبيه، واطمأن المصريون إلى تولي مالك حازم أمر البلاد وجرى على سنّة حورمحب في القضاء على الفساد ومنع الرشوة والنهب، وشدد العقوبة على الاعتداء على أملاك المعابد والأفراد، وكان ينظر إليه على أنه هو الذي سيعيد مجد البلاد ولذلك كان من أقلابه (مجدد الولادة).
                              وحكم سيتي الأول أكثر من عشرين عاماً حارب في أثنائها في فلسطين والشام وزحف شمالاً على الحيثيين وكان هذا أول التحام بينهم وبين مصر، فهزم فرعون جيوشهم وعقد مع ملكهم معاهدة ودية، ولكن ما يهمنا من حروب سيتي الأول هي حربه في فلسطين مع قبائل (الشاسو) أي البدو إذ كان لهم صلة ببني إسرائيل وأنقل هنا ما ذكره عالم المصريات الشهير سليم حسن: من أهم الوثائق التي بقيت لنا منقوشة على جدران معبد الكرنك المتن الذي يحدثنا عن السبب المباشر الذي حدا بالفرعون (سيتي الأول ) لمهاجمة قبائل (شاسو) (البدو) الآسيويين بفلسطين، والظاهر أن الموقف الذي كان يواجهه هذا الفرعون من فلسطين كان موقف خداع ومناجزات، وقد كان للعايبروا ضلع في الحركة التي قام بها هؤلاء البدو، إذ كانوا يسعون لتوطيد أقدامهم في فلسطين ( سليم حسن مصر القديمة جـ 6 ص 33)، وكان هؤلاء البدو قد انتهزوا الفرصة للتخلص من البقية الباقية من النفوذ المصري في فلسطين، وقد وصلت التقارير إلى (سيتي) بأن الثورات قد اندلع لهيبها تقول الوثيقة:
                              (السنة الأولى من عهد مُجدد الولادة ملك الوجه القبلي والبحري، رب الأرضين ( من ماعت رع ) (سيتي الأول ) معطي الحياة لقد أتى إنسان ليخبر جلالته أن الشاسوا الخاسئين قد دبروا العصيان، فقد تجمع رؤساء قبائل فلسطين معلنين العصيان، وقد أخذوا في السلب والنهب والشجار إذ يقتل الواحد منهم جاره، وعصوا قوانين القصر، وقد قام جلالته – له الحياة والفلاح والصحة – بحربهم – وبدأ الواقعة ودخل غمارها، وكان لبه مرتاحاً لرؤية الدماء تسيل وقطع رؤوس العصاة، وقد قضى عليهم جلالته دفعة واحدة، فلم يترك ساقاً واحدة (منتصبة ) بينهم. ومن فر منهم حياً كانت تُحمل يده (كان الأسرى تقطع أيديهم )، وسار سيتي الأول بالجيش من ثارو – وهي آخر مدن مصر على الحدود الشمالية الشرقية وتقابل القنطرة في العصر الحاضر – في اتجاه فلسطين حتى وصل إلى (رفح ) – وهي مسافة تبلغ 190 كيلو متراً – وقد وقعت الواقعة بين المصريين والشاسو على طول هذا الطريق).
                              وتقول وثيقة أخرى:
                              (السنة الأولى من حكم ملك الوجه القبلي والوجه البحري (من ماعت رع )، - التخريب الذي ألحقه سيف الفرعون البتار – له لحياة والفلاح والصحة – بالشاسو الخاسئين، من قلعة (ثاروه) حتى (باكنعان) عندما سار جلالته نحوهم مثل الأسد المفترس وصيرهم أشلاء في الوديان مخضبين بدمائهم كأن لم يغنوا بالأمس، وكل من أفلت من أصابعه يقول إن قوته (الفرعون) على الممالك النائية هي قوة والده (آمون) الذي كتب له الشجاعة المظفرة في الممالك الأجنبية.
                              ومن المعلوم أن نفراً من بني إسرائيل قد خرجوا مع الهكسوس وكانوا يسمون( العايبرو) ولا شك أن بعضاً من هؤلاء العابيروا قد اندسوا بين (الشاسو) وجعلوهم يثورون على مصر أملاً في إقصاء النفوذ المصري عن فلسطين فيتمكن بنو إسرائيل المقيمين بمصر من الخروج إليها وتكوين دولتهم.
                              شيء آخر يذكر الدكتور سليم حسن ( جـ 6 ص 44/45) وهو أن ذبح الأسرى كان عادة قديمة، إذا وُجدت لوحة من العاج مرسوم عليها الملك (دن) (من الأسرة الأولى) وهو يقتل عدواً شرقياً راكعاً أمامه وفي يد الفرعون مقمعة من الحجر يضرب بها العدو، وظلّ الأسرى يذبحون بعد ذلك في عصر الأسرات القديمة، ثم أصبح منذ عهد الدولة الحديثة مجرد احتفال رمزي ولا يُنفذ القتل فعلاً – إذ نجد على البوابة السابعة في الكرنك ( تحتمس الثالث) مصوراً في الوضع التقليدي على وشك ذبح طائفة من الأسرى يبلغ عددهم نحو 30 وهو قابض على نواصيهم بينما نجد في ركن آخر من الصورة الأسرى يعاملون معاملة كريمة، دلالة على أن أمر الذبح كان لا ينفذ فعلاً، ويتساءل الدكتور سليم حسن قائلاً هل عاد سيتي الأول لارتكاب هذه الفعلة الشنعاء ثانية فقتل أسراه على الرغم من أنها عادة قديمة قد لفظها الزمن ؟ ولماذا؟
                              ونجد نقشاً على جدران معبد مدينة هابو على هيئة خطاب على لسان (آمون رع) رب طيبة: (يا بني الذي من صلبي، يا محبوبي، ويا رب الأرضين (من ماعت رع ) (سيتي الأول) رب القوة في كل مملكة إني والدك وإني أنا الذي أجعل الرعب منك في أرض ( رتنوا العليا والسفلى) وقبائل النوبة، كلهم قد ذبحوا تحت قدميك وإني أولي وإني أوليّ وجهي قبل الممالك الشمالية وآتي بأعجوبة لك متصدياً للعصاة في أوكارهم ببأس شديد).
                              ويمكننا الإجابة على التساؤل الذي أثاره الدكتور سليم حسن بأن سيتي الأول لما أدرك الصلة بين (الشاسو) الثائرين عليه و(العابيرو) أقرباء بني إسرائيل أراد بإحياء الاحتفال بذبح الأسرى وإرهاب بني إسرائيل المقيمين بمصر وإشعارهم أن الأمر جد ولا هوادة فيه، وأن الذبح قد ينالهم هم أنفسهم إذ جاءت الخيانة من جانبهم وهذا ما حدث فعلاً فيما بعد مع ابنه ( رمسيس الثاني ) وما تعرض له من خديعة من اثنين من البدو – كلفته فيلقاً كاملاً من جيشه وكادت تودي به هو نفسه – في معركة قادش فلما عاد من المعركة بعد توقيع الصلح مع الحثيين نفذ تهديد والده وبدأ التنكيل الحقيقي ببني إسرائيل بزيادة جرعة التعذيب والتسخير ثم أصدر أمر ذبح الأطفال الذكور.
                              فإذا عدنا إلى سيتي الأول ثانية نجد أنه كذلك قد حمى مصر من غارات الليبيين كما أظهر اهتماماً ببناء المعابد وتجديدها، وبلغت فنون النقش والتصوير في عهده ذروة عالية وخاصة في معبد شعائره في أبيدوس (العرابة المدفونة في مركز البلينا) كذلك في نقوش مقبرته في غرب طيبة.
                              وبنى أيضاً جزءاً كبيراً من بهو الأعمدة العظيم الذي بدأه أبوه – في الكرنك وتوسع في استغلال مناجم الذهب في الصحراء الشرقية ورسم الخرائط للطرق والحصون المنتشرة على الحدود الشمالية الشرقية، ولكن معظم هذه الإنشاءات المدنية كان القائم عليها والمنفذ لها هو ابنه رمسيس الثاني الذي كان مشاركاً له في العشر سنوات الأخيرة من حكمه.
                              كان أكبر أبناء سيتي الأول هو رعمسسو وهو المشهور باسم رمسيس الثاني، وكان يحمل الألقاب التالية: ابن الملك – الأمير الوراثي والوزير – عمدة المدينة والمشرف على جياد رب الأرضين ورئيس القضاة وغير ذلك من الألقاب كانت (طيبة ) هي العاصمة أيام سيتي الأول، إلا أن ( منف)، كانت العاصمة الثانية لقربها من أملاكه في آسيا التي كانت شغله الشاغل مدة حياته ولأن سيتي كان من أسرة تنسب إلى شرق الدلتا، فقد بنى لنفسه قصراً في (قنتير) كشفت عنه أعمال البحث التي أجريت مؤخراً في هذه المنطقة وكان هذا القصر نواة للمدينة الجديدة التي بناها رمسيس الثاني وسماها باسمه ( بر رعمسسو) واتخذها عاصمة له.
                              بنو إسرائيل:
                              نعود الآن إلى بني إسرائيل وقد ذكرنا أن يوسف عليه السلام قد أسكنهم أرض جاسان وكان عدد من جاء إلى مصر من أبناء يعقوب 70 نفساً، وإذا افترضنا أن نصفهم ذكور والنصف الثاني إناث لكوّنوا 35 أسرة يبدأ بهم الجيل الأول في مصر، وإذا افترضنا أن عدد المواليد لكل أسرة هو 3 أبناء وهو عدد متواضع جداً، فلنجعله 3 و 4 بالتبادل للأجيال المتتالية نجد أنه بعد 16 جيلاً:
                              الجيل الأول = 35 أسرة × 4 أبناء = 140
                              الجيل الثاني = 70 أسرة ؛ 3 أبناء = 210
                              الجيل الثالث = 105 أسرة × 4 أبناء = 420
                              الجيل الرابع = 210 أسرة × 3 أبناء = 630
                              الجيل الخامس = 315 أسرة × 4 أبناء = 1260
                              الجيل السادس = 630 أسرة × 3 أبناء = 1890
                              الجيل السابع = 945 أسرة × 4 أبناء = 3780
                              الجيل الثامن = 1890 أسرة × 3 أبناء = 5670
                              الجيل التاسع = 2835 أسرة × 4 أبناء = 11340
                              الجيل العاشر = 5670 أسرة × 3 أبناء = 17010
                              الجيل الحادي عشر = 8505 أسرة × 4 أبناء = 34020
                              الجيل الثاني عشر = 17010 أسرة × 3 أبناء = 51030
                              الجيل الثالث عشر = 25515 أسرة × 4 أبناء = 102060
                              الجيل الرابع عشر = 51030 أسرة × 3 أبناء = 153090
                              الجيل الخامس عشر = 76545 أسرة × 4 أبناء = 306180
                              الجيل السادس عشر = 153090 أسرة × 3 أبناء = 459720
                              وإنا افترضنا لكل جيل 30 عاماً فإن الـ 16 جيلاً تستغرق من الزمن 480 عاماً أو 500 عاماً وهي المدة التي أمضاها بنو إسرائيل في مصر منذ اول قدومهم في عام 1728 ق.م حتى الخروج في عام 1225 وإذا افترضنا أن الأجيال الإثني عشر الأولى قد توفوا جميعاً.
                              وتوفي من الجيل الـ 13 وبقي الربع وهو: 25515
                              وتوفي من الجيل الـ 14 وبقي = 51030
                              وتوفي من الجيل الـ 15 وبقي =105090
                              والجيل الـ 16 موجود بأكمله = 459720
                              نجد أنه في نهاية الخمسمائة عام يكون بنو إسرائيل كلهم = 651360 فرداً.
                              فإذا افترضنا الثلث نساء وثلثا آخر أطفالاً كان الرجال لا يزيدون عن 217.000 وليس 600.000 كما جاء في التوراة ( إصحاح 12 خروج: 37): فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوث نحو ست مائة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد.
                              وقد ذكرنا في كتبنا بعض العوامل التي جعلت المصريين يأخذون جانب الحذر من بني إسرائيل في الفترة التي تلت طرد الهكسوس، ولكن بمضي الوقت وبزيادة التعاملات بين الجانبين بدأ المصريون ينظرون إلى بني إسرائيل كأنهم أصبحوا جزءاً من الشعب.
                              وبدأ الفراعنة في بناء الإمبراطورية المصرية في الشام وفلسطين مما استدعى تجنيد عدد كبير من الجنود.. وكان من غير المستحب تجنيد غير المصريين إذ أن ولاءهم مشكوك فيه، وهذا ما سجلته التوراة ( إصحاح أول خروج: 10) (فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض )، ولما كان إشراكهم في الحرب غير مقبول فقد كان من الطبيعي أن يقوموا ببعض الأعمال المدنية مثل صنع الطوب وقطع الحجارة وبناء المعابد. ولما كان بنو إسرائيل أهل بداوة لم يتعودوا على هذه الأعمال فقد رفضوها، وكان من الضروري إجبارهم عليها، وهو ما اعتبره بنو إسرائيل سخرة، وبدؤوا يتمردون في هذا الوضع ويتطلعون إلى الخروج من مصر إلى (الأرض الموعودة) ولما كان خروجهم إلى أرض فلسطين يضيف قوة إلى فلول الهكسوس الذين انتشروا في المنطقة بعد طردهم من مصر، ويحرض البلاد لاحتمال غزو جديد فقد تمسك الفراعنة بعدم خروج بني إسرائيل من مصر، وزاد هذا من تذمر بني إسرائيل، وزادت الفجوة بين الجانبين، وبدأت الهوة تتسع شيئاً فشيئاً حتى بلغت أقصاها في عهد الأسرة التاسعة عشرة وخاصة في عهد رمسيس الثاني.
                              رمسيس الثاني:
                              كانت حسابات الفلكيين في مصر القديمة تقول إن اقتران ظهور النجم الذي يحدد قدوم فيضان نهر النيل مع الكواكب التي تحدد بدء السنة الدينية وبداية السنة الزراعية أمر لا يحدث إلا مرة واحدة كل 1461 سنة وأن هذا الاقتران الثلاثي ينبئ عن حدث مهم سوف يحدث على الأرض، وكان رمسيس الثاني كثيراً ما يفتخر بأن هذا الاقتران حدث في عام 1317 ق.م وأن الحدث المهم هو مولده في عام 1315 ق.م ( كتاب رمسيس العظيم تأليف ريتافرد. ص 24) وأن فيضان العام الذي سبق مولده كان وافياً وغزيراً غمر البلاد بالرخاء، وملأ البيوت بالحبوب وعمت البهجة القلوب، كذلك سجل رمسيس الثاني افتخاره بأنه وُلِدَ من الإله (آمون) نفسه الذي تقمص جسد (سيتي الأول) فأنجبه من الملكة (تويا) والدته (طبعاً هذا زعم باطل ولكن ننقل بأمانة ما قيل عنه).
                              خلّف رمسيس الثاني والده سيتي الأول في الحكم في عام 1290 ق.م وساعدته عدة عوامل على أن تفرض شهرته على التاريخ:
                              1-مشاركته والده في الحكم فاكتسب خبرة سياسية وحربية.
                              2-ولى الحكم شاباً يملؤه الحماس وتحدوه آمال واسعة.
                              3-طول مدة حكمه التي بلغت 67 عاماً.
                              4-ورث عن أبيه دولة قوية ذات ثراء عريض.
                              5-وجد من رجاله المدنيين والعسكريين تأييداً لكل أعماله.
                              6-تصديه للحثيين وهم أضخم قوة عسكرية في عصره.
                              7-كان شغوفاً بتخليد ذكراه وتمجيد نفسه، ولذلك بنى عدداً كبيراً من المعابد والقصور والمسلات والتماثيل أكثر من أي حاكم آخر سبقه.
                              8-في عهده تكونت لمصر عاصمة جديدة سميت باسمه (بروعمسسو) أي دار رمسيس وأصبحت واحدة من أهم العواصم في الشرق الأدنى القديم.
                              طفولته:
                              كان المعتاد – إذا عمل تمثال لأحد الفراعين ورؤي أن يصور أبناؤه معه – أن يكونوا بحجم صغير ومكانهم واقفين بجوار أرجل والدهم، وهذا ما نراه في كثير من التماثيل وما نراه في تماثيل رمسيس الثاني على واجهة معبد أبي سمبل إلا أننا لا نجد تمثالاً لرمسيس الثاني يمثله طفلاً يقف بجوار رجلي والده (سيتي الأول ) ولعله كان يستشعر منذ طفولته أنه (أكبر) أو (أعظم) من أن يُصوَّر هكذا، والتمثال الفريد الذي وصل إلينا يمثله طفلاً جالساً القرفصاء، وخلفه الإله حورون (المزعوم) بهيئة رأس الصقر الخاصة بالإله حورس بينما رمسيس الثاني عار من الملابس ولكنه يضع قرص الشمس على رأسه والصل الملكي على جبهته، ويضع إصبع يده اليمنى على فمه ذي الابتسامة الخفيفة التي تميز معظم تماثيله بينما يمسك في يده اليسرى حزمة نبات رمزاً لمصر والنيل بينما في تمثال آخر يمثله شاباً صور نفسه وخفله الإله (سوتخ) يحميه وقد مثل الإله سوتخ على هيئة حيوان هجين برأس تمساح، وفي مرحلة أخرى من شبابه صور نفسه واقفاً ويحميه من خلفه الكبش – رمز الإله آمون.
                              ويمكننا أن نستشف من هذه التماثيل أنه كان يشعر أيضاً بأن الآلهة تؤيده وتحميه منذ الصغر.
                              مشاركته والده في الحكم:
                              في الواقع أن سيتي الأول بدأ يشرك ابنه رمسيس الثاني في شؤونه وهو لم يزل في سن العاشرة وأعلنه ولياً للعهد في سن الثالثة عشرة، ثم توجه شريكاً له في الملك بعد ذلك بسنوات قليلة، وعلى أثر ذلك كُلّف بالقيام ببعض مسؤوليات الدولة وشؤونها كإقامة المباني وغيرها، وقد تم هذا التتويج على يد الإله آمون في حضرة الفرعون والده ( سيتي الأول) ويسجل في معبد سيتي الأول بالقرنة، وسُجّل له تتويج ثان في مدينة هليوبوليس على يد الإله (أتوم) والنص الموجود على أحد جدران معبد سيتي الأول أمر رمسيس الثاني بنقشه ليفاخر بنفسه فيقول:
                              (رفع من شأني رب الكون نفسه – يقصد الإله رع (المزعوم) – منذ كنت طفلاً حتى أصبحت حاكماً، منحني الأرض وأنا في البيضة وقبل العظماء التراب أمام وجهي، ثم عينت بوصفي الابن الأكبر أميراً وراثياً على العرش وكنت أقدم التقارير عن حالة الأرضيين بوصفي قائداً للمشاة والعجلات، ولما بدا أبي في مجده أمام شعبه وكنت طفلاً قال للقوم: توجوه ملكاً حتى أشهد بهاءه وأنا على قيد الحياة!!.
                              وكان رمسيس الثاني يضيف إلى لقبه نعوتاً خاصة مثل:
                              (مري رع) أي محبوب رع.
                              (تيت رع) أي صورة رع.
                              (أعو رع) أي وارث رع.
                              (ستبن رع) أي مختار رع.

                              تمثال رمسيس الثاني وزوجته وأبناؤه وبناته بجوار ساقيه (واجهة معبد أبي سميل )
                              وبعد انفراده بالحكم بعد وفاة والده اختار لقب (وسر ماعت رع ستين رع ) أي (رع قوي العدالة ومختار رع ) ونبذ كل النعوت الأخرى.
                              وكان النقش على المعابد في عهد سيتي الأول وما قبله يتم بطريقة (النقش البارز) وظل رمسيس الثاني يتبع ذلك في أوائل سني حكمه إلا أنه بعد فترة وجد أن النقش الغائر يمكن إنجازه بسرعة كما أنه أبقى على الزمن من النقش البارز فاتبع هذه الطريقة ثم بعد انفراده بالحكم محا كل نقوشه وقليلاً من نقوش والده البارزة وأعادها بالنقش الغائر وهو ما يمكن الاهتداء إليه بسهولة على جدران المعابد التي أقامها.
                              وتوجد ثلاث مناظر في معبد سيتي بالعرابة المدفونة رُسم فيها رمسيس بوصفه ولياً للعهد بصورة أصغر من صورة والده سيتي الأول، إلا أن منظر التتويج الذي رسمه رمسيس الثاني بعد مضي سنتين على حادث التتويج نفسه والذي أراد تخليد هذا الحدث بنفسه، نجده قد رسم نفسه بنفس الحجم الذي رسم به والده سيتي وبحجم الآلهة الثلاثة الذين أقيم هذا الحفل في حضرتهم وذلك بالرغم من أن هذا الحفل قد تم وهو صغير السن (15 سنة ) ويمثل اشتراكه في الحكم مع والده لا انفراده بالحكم – مما يدل على نزعة فيها تكبر وتطلع إذ لم يسمح أن تُنحت صورته في هذا المنظر بالذات – كما هو المفروض – بحجم أصغر من حجم والده أو الآلهة الذين كانوا معه !
                              وتوجد لوحة مؤرخة بالسنة الثالثة من حكمه – كُتبت بإشرافه أو على الأقل بإيحاء منه – وفيها يخاطبه رجال البلاط قائلين: لقد وضعت خططاً حينما كنت لم تزل في البيضة وفي وظيفة طفل أمير، وكانت تلقى عليك شؤون البلاد حينما كنت صبياً تتحلى بالضفيرة، ولم ينفد أثر إذا لم يكن تحت سلطانك، ولم يُقطع بأمر إلا كنت تعلمه وكنت رئيس الجيش منذ أن كنت طفلاً في العاشرة.
                              ويوجد رسمان على الجانب الجنوبي لقاعة العمد العظيمة بالكرنك يمثلان الاحتفال بعيد الوادي السنوي،وفيه يُصوَّر رمسيس الثاني وهو يقوم بوظيفة فرعون وفي نفس الوقت كاهناً أكبر، في حين أن والده يسير في موكب السفينة المقدسة، وهذا يدل على اشتراكه في الحكم مع والده ويوحي كذلك بأن والده ترك له كثيراً من السلطات.
                              وأراد رمسيس الثاني أن يؤكد أنه تسلط على كل المنشآت، فهو يقول عن نفسه: ( لا يوجد أثر أنجز لم يكن تحت سلطاني ) فهو يؤكد تسلّطه على عمليات البناء وأنه كان له الدور الأساسي في تصميم المباني التي أقامها.
                              التحليل النفسي لشخصية رمسيس الثاني:
                              لئن كنا ستنناول هذه النقطة بشيء من التفصيل فذلك لأنها تقدم دليلاً إضافياً على أنه هو فرعون موسى والوثائق التي كتبت على جدران المعابد تثبت أن الفراعين جميعهم كانوا شديدي الفخر بأنفسهم ومولعين بأن ينسبوا لأنفسهم أعمالاً عظيمة وبطولات قد تكون غير حقيقية وعند دراسة ما كتبه رمسيس الثاني على جدران الجزء الذي أضافه لمعبد (سيتي) بالعرابة ) المدفونة على شكل خطابات أُرّخت بالسنة الأولى من انفراده بالحكم – وقد كتبت هذه الخطابات تحت إشرافه أو بإيحاء أو إملاء منه – تبين لنا أنه كان أكثر الفراعين فخراً بنفسه وبأعماله محباً لذاته لدرجة تقرب من جنون العظمة، وفيما يلي ننقل بعضاً من هذه الكتابات وهي على شكل خطابات متبادلة: (مصر القديمة سليم حسن جـ6).
                              1- خطاب أوزير الملك

                              يسجل فيه شكر الآلهة على إقامة المعابد لها نصه ما يلي: خطاب أوزير رب الأبدية للابنه ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وسرماعت رع ستبن رع ) (أي (رمسيس الثاني) ): إن قلبي في راحة بفضل ما فعلت لي وإني لمبتهج بما قد أمرت به لي وإني لفرح لأني أعيش بأعمال الخير التي أهديتها لي، وإن أعمالك الصالحة تشبه أعمال قرص الشمس وستبقى أنت ما بقي (أتوم) لأنك تسطع على عرشه، وكذلك ما دام (رع) مزدهراً عندما يخترق السماوات العلا حينما تكون أنت ملكاً بفضل أعمالك الصالحة وخططك محببة إلى قلبي، وما فعلته في الأفق كان مقبولاً، والمحراب يكون في حبور عندما يسمعك تلقي قصة أعمالك الصالحة، والإله (تاتنن) (إله الآخرة) قد منحك مئات وآلاف السنين.
                              تراه في هذا الخطاب يسجل شكر الآلهة على إقامة المعابد لها، كما أنه يتمنى لنفسه طول العمر.
                              2- خطاب (إيزيس):
                              من إيزيس العظيمة والدة الإله: يا بني العزيز (رعمسيس) محبوب آمون، إن طول حياتك مثل طول حياة ابني (حور) فهكذا أنت، وهكذا سيكون من خرج من بطني، وإنك بار بنا مثله، وإن مدة أجل السماء وممالك السيد المهيمن (أوزير) جميعها وسني (حور) و(ست) ستمنح لك بوصفك ملكاً على الأرض.
                              وهنا نلاحظ أنه قد سجل بنوته (الحقيقية) للإلهة إيزيس فصور نفسه يرضع ثديها، وحتى في هذا الموقف لم يتنازل عن نظرته التعاظمية لنفسه فلم يشأ أن يصور نفسه طفلاً مثل حورس، بل صور نفسه يافعاً واقفاً وقد لبس التاج على رأسه وفي يده اليمنى علامة الملك وجعل إيزيس من الطول بحيث لا يحني رأسه.
                              3- خطاب سيتي الأول:
                              وهو يكتب الخطاب على لسان والده، وكان سيتي الأول قد توفى، وحسب ما كان متبعاً في أيامهم كان يعطى لقب (صادق القول ) كما نقول في أيامنا (المرحوم) ونص الخطاب ما يلي: خطاب من الملك ( من ماءت رع ) صادق القول: فليفرح قلبك يا ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وسر ماعت رع ستين رع ) (أي رمسيس الثاني ) لأن رع إله الشمس يهبك الخلود، وأتون يبتهج باسمك إني لفي سرور لما فعلته لي منذ أن دعيتُ صادق القول (أي منذ أن توفيت ) وقد عظّمني (أوزير) لما فعلته لي.
                              4- خطاب من رمسيس الثاني إلى (أوزير):
                              إني أتضرع لوجهك كما كان يفعل ابنك ( حورس) وغني أفعل لك آثاراً في المكان المقدس (الجبانة) وأضاعف الأوقاف لروحك، وإني تحت تصرفك وتحت سلطانك، حتى تجعل الأرض ملكاً لي، وحتى تهبني الخلود بوصفك ملكاً والأبدية بوصفك راعياً للأرضيين وإني على استعداد لتنفيذ ما يحبه قلبك كل يوم بلا انقطاع.
                              5- خطاب يصف الأعمال التي قام بها تكريماً لوالده، ويفخر بها:
                              لقد كان ولداً باراً بأبيه مثل حورس عندما انتقم لوالده أوزير، فهو (رمسيس الثاني) الذي صوّر سواه وتحت تمثال من أنجبه و أحيا اسم من وضع بذرته هو ابن الشمس والذي يحبه (آمون) معطي الحياة مثل (رع) مخلداً مثل (أوزير) حافظ على ذكرى والده، ونحت تمثالين لوالده ويرجع الفضل في ذلك إلى (رمسيس) معطي لحياة لوالده صادق القول وقد أسس له أملاكاً، وأمدها بالأرزاق لما له من سمعة بين الملوك.
                              6- خطاب يصف تجديده لآثار العرابة (مع الاختصار):
                              وذات يوم في السنة الأولى دخل جلالته ليرى والده وليقرب القرابين وقد وجد مباني الجبانة التي من عهد الملوك الأقدمين وكذلك مقابرهم آيلة للخراب ساقطة على الأرض. وجدرانها منبوذة على الطريق ولم تكن لبناتها متماسكة ولم يكن هناك إنسان ليبنى منذ أن طار أصحابها إلى السماء ولم يكن هناك ابن يقوم بإصلاح ما تركه والده.
                              ومعنى منذ، طار أصحابها إلى السماء أي بعد أن توفى أصحابها – كما نقول في عصرنا (لحق بالرفيق الأعلى ).
                              7- وثيقة يصف فيها تولّيه على العرش في صيغة خطاب لمستشاريه:
                              ( مع الاختصار ) تأملوا. لقد أمرت بدعوتكم عندما شاهدت مباني الجبانة ومقابر العرابة لم تنجز أعمالها منذ زمن أصحابها حتى اليوم، وإنه لجميل أن يهتم الابن بوالده، وإني سأعمل حتى يقول الناس إلى الأبد السرمدي، إنه ابنه الذي جعل اسمه يحيا، ومن أجل هذا سيخصني والدي (أوزير) بحياة ابنه (حورس) الطويلة جزاء ما سأقوم به من الأعمال الطيبة لوالدي قولوا أنتم إن (رع) و(أوزير) نفسه قد نشأني وجعلني أنمو حينما كنت لا أزال طفلاً حتى أصبحت ملكاً وأعطاني الملك ومنذ أن كنت لا أزال في البيضة، وكان العظماء يقبلون الأرض أمامي وأنا لم أزل أميراً وراثياً على العرش، وكنت قائد المشاة والخيالة، وعندما كان يظهر والدي أمام الشعب كنت طفلاً صغيراً، وكان يقول عني: توجوه ملكاً حتى أرى حاله وأنا لا أزال حياً، ضعوا التاج على رأسه حتى ينظم هذه البلاد ويدير شؤون مصر. وعلى ذلك وضعوا التيجان على جبيني، تأملوا، لقد كنت (رع) فوق الناس، فأهل الجنوب وأهل الشمال كانوا تحت نعليّ.. لقد وضع معبده تحت ملاحظتي، وكل أشغاله تحت مراقبتي منذ كنت طفلاً، وإنه أنا الذي صنعتُ تمثال والدي من الذهب وحبست القربان على روحه، ومن خمر وزيت خروع وكل أنواع الفاكهة وكل باكورات المحاصيل، ويستمر في وصف ما عمله من آثار تكريماً لوالده.
                              8- جواب المستشارين ( يمدخونه ويضعونه في مصاف الآلهة ):
                              إنك (رع) الشمس، وجسمك جسمه، ولا يوجد قط ملك يشابهك، فأنت وحدك مثل ابن أوزير حورس ابن إيزيس، ولم يفعل أي ملك هكذا منذ عهد (رع) إلا أنت، وإن ما فعلته أعظم مما فعله أحد قبلك، لقد عملتَ ما لم يعمل من قبل، فأي مثال فضيلة يوجد في استطاعتنا أن نأتي به لنذكره أمامك، ومن ذا الذي يأتي لينصحك عندما تفكر بمحض عبقريتك!
                              لم يُرَ مثلك وجه، ولم يُسمع مثل قولك، ولا أحد اعتلى العرش مثلك قد حافظ بصلاح على ذكرى والده إذ كان كل واحد يعمل لما فيه فائدة اسمه إلا أنت وحورس، لذلك فأنت وابن أوزير سيان، إنك وارث ممتاز مثله إذ تدير ملكه بنفس طريقته وتفعل ما فعله الآلهة وقد نفس طول عمر الآهلة، إن قلب (رع ) في السماء لفرح والآلهة مبتهجون منذ تتويجك ملكاً على الأرضيين..
                              ويستمرون قائلين: إنك ستكون على الأرض مثل (آتون) لقد جددت آثاراً في الجبانة والمشروعات التي كانت مهملة قد أنجزتها على الوجه الأكمل، الأجيال تمر ويحل غيرها وجلالتك ملك الوجه القبلي والوجه البحري لأنك أنت الذي تعمل الخير وقلبك مرتاح لإقامة العدل، وعندما تُرفع إلى السماء ستصعد أعمالك الصالحة حتى الأفق، والأعين ترى أعمالك العظيمة التي أنجزت أمام الآلهة والناس.. ويبلغ النفاق مداه إذ يقولون: اسمك في كل بلد من أول بلاد النوبة جنوباً وشمالاً، من أول شواطئ البحر وكل الأماكن تعرف أنك إله لكل الموجودات والناس يسهرون ليقوموا بتقديم البخور لك على حسب أمر والدك ( آتون) !!
                              وتستمر الوثائق المسجلة على جدران المعابد على هذا النحو، ولا يتبادر إلى الذهن أن بعض هذه الرسائل كان يسجل دون علمه، أو أنه لم يكن راضياً تمام الرضا عن كل المديح الذي جاء بها لأن كل ما كان يسجل على جدران المعابد كان لا بد أن يعرض على الفرعون وينال موافقته وقد سبق أن ذكرنا ما قاله رجال البلاط في خطاب موجه إليه، ولم ينفذ أثر إذا لم يكن تحت سلطانك ولم يقطع بأمر إلا كنت تعلمه !! فجميع هذه الخطابات قد حظيت بموافقته قبل تسجيلها، وعرف كاتبوها سواء كانوا من رجال البلاط أو غيرهم – كيف ينفذون إلى قلبه وينالون رضاه بترديد عبارات النفاق الواضح أو المقنع، وكلهم تدور في معنيين اثنين – أنه الابن البار بوالده، فأقام المعابد تكريماً له، ثم كيف اختاره أبوه ليشركه معه في الحكم وفي هذا معنى مستتر أنه استحق ذلك لأنه كان (عبقرياً) منذ صغره بل ويمنّ على والده بما بناه له من آثار، كذلك فإنه يسجل ما معناه أنه الابن البار للآلهة يقيم لها المعابد، وأنها ترسل له الرسائل تشكره على صنعه هذا وتنظر إليه على أنه ابن لها.. بل وتعتبره نِداً لها ومساوياً لها في المكانة وطول العمر..
                              ويتضح ذلك أكثر ما يتضح في الخطاب التالي:
                              9- خطاب (رمسيس الثاني ) لوالده ( سيتي) يقول فيه:
                              كلام ملك الوجه القبلي والوجه البحري (وسر ما عت رع ستبن رع ) ابن الشمس، سيد التيجان. محبوب (آمون) رعمسيس معطي الحياة، عندما أعلن ما فعله لوالدك الملك ( من ماعت رع ) صادق القول: تنبه وولّ وجهك قِبَل السماء لترى (رع) يا والدي. أنت يا من أصبحت إلهاً. انظر لقد جعلت اسمك يحيا وإني أرعى صلاح ذكراك إذ أعتني بمعبدك وقربانك ثابت دائم، وإنك تثوي في العالم السفلي مثل (أوزير) في حين أني أشرق مثل (رع) على الإنسانية وأجلس على عرش ( أتوم) مثل (حورس ) ابن (أوزير) ما أجمل ما فعلته لك ! فإنه مضاعف الحسن. لأنك عدت به إلى الحياة من جديد !! فقد صنعت لك تمثالاً. وبنيت مثواك الذي كنت ترغب فيه والذي في صورتك في إقليم الأبدية (جبانة العرابة ) وإني أضع قرابين لتماثيلك. وأعين لك خدماً للمائدة ليحملوا الطعام لروحك، وليصبوا الماء على الأرض من خبز وماء، ولقد أتيت بنفسي !! مرتين لأزور معبدك الذي بجوار (وننفر) ملك الأبدية، ولقد عكفتُ على أعمال هذا المعبد فبنيتُ رقعته. وغطيتها بالبلاط. وأقمت كل مساكنك التي نبت فيها اسمك سرمدياً. ويستمر في سرد ما فعله لوالده – والمن عليه – فيقول وقد جعلتُ خزانتك فاخرة إذ ملأتها بالخيرات وإني أهديك سفينة نقل بحمولتها على البحر المتوسط مشحونة بالذخائر العظيمة من ذهب وفضة ونحاس. ودونت من أجلك قوائم حقول. وإني أمدّها بملاحظين ومزارعين لحصد الحبوب للقرابين المقدسة، وقد جمعتُ لك قطعاناً من كل نوع من الحيوان الصغير لإمداد قرابينك بطريقة منظمة وخصصت لك أوزاً مجلوباً من حظائر التسمين و.. و.. ثم يصل في النهاية إلى هدفه من كل هذا فيكتب ليتك تقول ( لرع) امنح الحياة بقلب محب وأعطِ حياة طويلة فوق حياة طويلة موحدة في أعياد ثلاثينية للملك (ورس ماعت رع ستين رع ) (أي رمسيس الثاني ) معطي الحياة وكل شيء سيصير على ما يرام لك ما دمت أحيا عمراً طويلاً بوصفي محبوب (آمون) معطي الحياة مثل (رع ) ابن (رع) !
                              10- ونختم هذه الخطابات بخطاب كتبه على لسان والده:
                              خطاب شكر من (سيتي الأول) لابنه (رمسيس الثاني) يقول فيه: إن الملك (من ماعت رع ) صادق القول (أي المرحوم سيتي الأول ) ذو روح سامية كأوزير مبتهج بالسرور من أجل كل ما فعله ابنه منفذا الأشياء الممتازة ملك الوجه القبلي والوجه البحري، ورئيس الأقواس التسعة سيد الأرضيين (وسر ماعت رع ستين رع ) ابن الشمس رب التيجان محبوب (آمون) رعمسيس، مخلداً وسرمدياً، وقد أعلن كل أعماله الصالحة أمام ( رع حوارختي) وأمام الآلهة الذين في العالم السفلي، إنه تكلم بقوة كما يتكلم والد على الأرض لابنه قائلاً: فليبتهج قلبك كثيراً يا بني العزيز، إن (رع) يمنحك ملاين السنين والأبدية على عرش (حور) الأحياء وإن أوزير يرجو لك بقاء السماء التي تشرق فيها مثل (رع) كل صباح، إن الحياة والصحة معك والصدق والقوة وابتهاج القلب هي من عمل غنى بالسنين وإن القوة والنصر ملكك أنت يا عظيم الانتصار والصحة ملك أعضائك مثل ما هي ملك أعضاء (رع) في السماء، والفرح والسرور في كل الأماكن التي توجد فيها يا أيها الملك يا حامي مصر وهازم الأقوام الأجنبية وإن الأبدية قد عملت لتكون عمرك ما قلته لرع بقلب محب امنحه الخلود على الأرض وقد كررت على (أوزير) عندما دخلت أمامه ضاعف له عمر ابنك (حور) وعلى ذلك فقد أجاب (رع ) في أفق السماء، ليت الخلود والسرمدية وملايين السنين تكون لك في صورة أعياد ثلاثينية وقد وهبك (أتوم) مدى عمره بوصفك ملكاً، وقد تجمعت القوة والانتصارات في ركابك إن (رع) في سفينته وعيناه تريان ما فعلتهُ من الأشياء الممتازة، عندما يخترق السماء في ريح رخاء كل يوم وهو في بهجة عظيمة عندما يستذكر أعمالك الصالحات، وحبك في صدره كل يوم، ويستمر الخطاب.. إن (رع) يذكر أفعالك الطيبة وسيكون لك بقاء طويل في الحياة وإن (رع) قد منحك ملكاً أبدياً، وإنك تأتي بوصفك (رع) منبع الحياة للناس، فالجنوب والشمال تحت قدميك.. والآلهة ترجوا أعياداً ثلاثينية (وسر ماعت رع ستين رع ) في خلود سرمدي.
                              تتويج رمسيس الثاني:
                              في عام 1290 ق.م تولى رمسيس الثاني الحكم منفرداً، وقد حدد البعض يوم 27 من الشهر الثالث المسمى ( شمو) (يونيو) تاريخاً للتتويج الرسمي ( كتاب رمسيس العظيم – ريتافرد. ص 29). وتم التتويج في منف عاصمة مصر السياسية والإدارية والتي تقع عند التقاء مصر العليا والسفلى، وتسلم من الآلهة العصا المعقوفة والسوط وهما رمزا الحكم ووضع التاج على رأسه ( شكل 127) والكوبرا الملكية على جبهته تحميه وتدمر أعداءه وبذلك أصبح رمسيس الثاني هو(حورس) الجديد والإله المجسد حاكم البلاد. وفي شكل 128 يرى الإله حورس والإله تحوت يربطان نبات مصر العليا والسفلى علامة على تسليمه مقاليد الحكم في مصر كلها. كما قامت الآلهة بكتابة اسمه على شجرة الخلود ) دلالة على منحة حياة خالدة (شكل 129) وفي شكل 130 يقدم رمسيس الثاني ( ماعت ) علامة الحق إلى ( حوراختي) وفي المقابل يتلقى حياة أبدية وسلطاناً دائماً وبعد ذلك أعلنت أسماء رمسيس الثاني الشرفية في كل أنحاء البلاد.
                              -حورس الثور القوي. محبوب (ماعت)
                              -سليل الآلهة. حامي مصر. قاهر البلاد الأجنبية.
                              -حورس الذهبي. ذو السنوات العديدة. عظيم الانتصارات.
                              -ملك مصر العليا والسفلى. القوي في الحق (أوسر. ماعت. رع).
                              -ابن (رع) رمسيس. محبوب (آمون).
                              وفي السنة الثانية من حكمه أضيف لفظ ستين رع أي (المختار من رع ) فصار اسمه الكامل (أوسر ماعت رع – ستين رع) وبعد ذلك أضيفت ألقاب أخرى تمجيدية تفصح عن نزعته التعاظمية (رمسيس العظيم – ريتا فرد. ص 31).
                              ولما تميز به من طموح ونشاط ودهاء سياسي فقد بدأ منذ توليه العرش – وحتى قبل ذلك – في أن يضع بصمته على كل مكان كما سنرى فيما بعد من إنشاءاته التي انتشرت في كل مدن مصر والنوبة.
                              الإلهان (حورس) و(ست) يتوجان رمسيس الثاني



                              الإلهحورسوالإله نحتوت يربطان نبات مصر العليا والسفلى تحت صورة رمسيس الثاني


                              الآلهة تكتب اسم رمسيس الثاني على شجرة الخلد بما يعني حياة أبدية
                              رمسيس الثاني كاهنا أكبر للإله آمون:
                              لم يكن قد مضى على توليه الحكم إلا شهران حتى حل موعد الاحتفال بعد ( أويت) وفيه يقام احتفال كبير إذ يقوم أتباع ( آمون) بزيارة معبد الأقصر المجاور. وكانت مدينة الأقصر. تعتبر من الوجهة الدينية المصرية القديمة هي المكان الذي بدأ منه خلق الكون، ويعبّر احتفال (أوبت) عن إحياء ذكرى لحظة الخلق هذه إذ أن الإله يجدد نفسه في هذا اليوم وكذلك فإن روح الملك الجديد تجدد نفسها،وكانت الاحتفالات تقام لمدة 3 أسابيع وفيها يقوم المغنون والراقصون والراقصات بتقديم عروض مبهجة وتزدحم الشوارع بباعة الطعام والشراب والهدايا التذكارية وعندما يعود ( آمون) إلى الكرنك يترك الفرعون طيبة وغالباً ما يكون الفرعون قد أضاف إلى المعبد بوابة ببرجين ضخمين Pylon وتمثالاً أو تماثيل ضخمة لنفسه وعدة مسلات تخليداً لهذا الاحتفال.
                              كان الفرعون – بصفته حاكماً للبلاد – يعتبر الكاهن الأكبر للإله ( آمون ) وباقي الآلهة، ولكن لم يكن ذلك يعدو أن يكون صفة شرفية بينما يتولى أحد الكهنة القيام بالشعائر التي تتطلبها وظيفة كاهن أول للإله ( آمون ) في الاحتفال إلا أن رمسيس الثاني قام في هذا الاحتفال بدور الكاهن الأكبر بنفسه، وهو شيء لم يفعله أحد من الفراعين من قبل فقد حدث أن كان منصب الكاهن الأكبر للإله (آمنون) خالياً، ولم يقم بتعيين أحد في الكرسي الخالي، وأدى المراسم الدينية التي يتطلبها هذا الاحتفال ولبس رداء الكهنة والفراء الخاص فوق الملابس الملكية، وعمل على تسجيل ذلك في نقش كتب فوقه: الكاهن الأول للإله (آمون) ملك الجنوب والشمال رعمسيس الثاني معطي الحياة ( سليم حسن مصر القديمة جـ 2 ص 477) وبعد أن أتم مراسم الاحتفال اختار الكاهن ( ذنب ونتف ) ليشغل منصب الكاهن الأول للإله آمون بالرغم من أنه لم يكن من طائفة آمون في طيبة بل كان كبير كهنة مصر الوسطى، وأرجع رمسيس هذا الاختيار لرغبات الإله (آمون) نفسه ثم عاد من طيبة في قاربه الملكي وتوقف ليزف الخبر بنفسه إلى الكاهن ( نب وننف ) ثم تابع سيره في النيل حتى وصل العاصمة ورعمسيس وسجل نب وننف – امتنانه في متن يقول فيه موجهاً الكلام إلى الفرعون.
                              لقد امتدح رجال البلاط ومجلس الثلاثين معاً تعطف جلالته وسجدوا مرات عدة أمام هذا الإله الطيب مصلين له ومتعبدين أمام وجهه، وقد مجّدوا أرواحه حتى عنان السماء قائلين: أنت يا من سيبقى حتى السرمدية ليتك تحتفل بأعياد ثلاثينية بالملايين وليت سنيك تكون عديدة مثل رمال شاطئ البحر، وإنك تولد كل صباح وتجدد لنا مثل الشمس وتصير صبياً كالقمر، وإنك تحكم بوصفك ملكاً على الأرضيين، والأقواس التسعة تحت أوامرك ونهاية حدودك تمتد حتى حدود السماء، ودائرتها تحت سلطانك وما تحيط به الشمس تحت أوامرك ونهاية حدودك تمتد حتى حدود السماء، ودارتها تحت سلطانك وما تحيط به الشمس تحت نظرك، وما يغمره المحيط خاضع لك وإنك على الأرض فوق عرش (حور) حيث تظهر بوصفك رئيساً للأحياء، وإنك كقرص الشمس في السماء ووجودك مثل وجوده.
                              وفي رأينا أن رمسيس الثاني. أراد بهذا التصرف – ومنذ الأيام الأولى من حكمه _ إشعار كهنة آمون بطيبة أنه عازم على أن يكون له النفوذ الديني الأول في البلاد وسيمارس سلطانه إلى أقصى حدودها، فيكون الكاهن الأكبر لمن يشاء من الآلهة، وبعين كبار الكهنة كما يشاء حتى من خارج أقاليمهم ولعل الكهنة – في طول البلاد وعرضها – قد فهموا الرسالة وآثروا السلامة وأصبحوا يمتثلون لرغباته وأوامره، ولم يعودوا يطمعون في زيارة نفوذهم عن طريق أي مؤامرات بل أصبح كل همهم إرضاؤه ليبقى عليهم في مناصبهم.
                              زواج رمسيس الثاني:
                              كان رمسيس الثاني في السادسة عشرة من عمره حين تزوج من ( نفرتاري مونموت ) وكانت من أجل جميلات مدينة طيبة يجري في عروقها الدم الملكي أو من أسرة لا تقل عراقة عن أسرة رمسيس الثاني وظلت هي الزوجة الرئيسية حتى بعد أن تزوج بغيرها، وكانت تلقب بـ( الأميرة الوراثية ) و(سيدة مصر العليا والسفلى ) و(سيدة الأرضيين ) أي على قدر المساواة بالملك الذي كان يطلق عليه لقب ( سيد الأرضيين).
                              وكانت زوجته تحمل وتلد ويعطى للمولد اسم ولكنه لا يلبث أن يموت، تكرر هذا عدة مرات، ففي التاسعة عشرة رزق بولد سماه ( خعموا ست الأول ) ولم يعش إلا أشهراً قليلة ثم توفى، ثم ولد له بعد عام ( آمون خرخبشف الأول ) لم يلبث إلا أن توفى أيضاً، وتكرر هذا عدة مرات.

                              الملكة نفرتاري زوجة رمسيس الثاني (ملحوظة: ليست هي التي تبنت موسى)
                              ذلك وهو لا يزال ولياً للعهد. ثم تولى الحكم رسمياً وعمره 23 عاماً، وتكررت الولادات ووفاة المواليد، ويحدث ذلك طبياً إذ كان الأم حاملة للفيروس Cytomegalo virus CMV، إذ يولد الأطفال وقد انتقل إليهم الفيروس من الأم ويتسبب في وفاة الأطفال في سن مبكرة، ومن المحتمل انه فسر ذلك بأن ( هواء طيبة ) لا يلائم زوجته ولعل ذلك كان أحد أسباب تفكيره في نقل العاصمة إلى الوجه البحري، أو أنه تصور أن ( لعنة شريرة ) قد أصابته في أولاده. وكأي أب في مثل هذه الحالة فقد لجأ إلى الآلهة يستعطفها ويركع أمامها ويقدم القرابين ويرجوها أن يعيش أبناؤه فنراه يركع أمام الإله (تحوت) يقدم له البخور، ونقارن هذا (التواضع ) بصورته أثناء تتويجه ) بواسطة الإلهين (حورس) و(ست) وقد رسم نفسه بنفس حجم الآلهة، وعمد إلى أن يجعل الآهلة تقف على قطعة حجر حتى لا يضطر لأن يحني رأسه أثناء وضع التاج عليه ! وفي أحد المنحوتات نراه يقدم الزهور للآلهة( حورس ميعام وحورس باكي وحورس بوهن ) (الإله حورس منتسباً إلى ثلاثة أقاليم مختلفة ) وفي منحوتة أخرى نراه راكعاً يقدم الخبز والطيور والنبيذ قرابين للإله (آمون ) على هيئة رجل برأس صقر. وفي منحوتة أخرى نراه يقدم تمثال ( ماعت) إلى الإله (تحوت ) رب الأشمونين، وهكذا لم يترك إلهاً في الشمال أو الجنوب إلا وطلب منه أن يحافظ عليه أبناءه.
                              ثم بدأت زوجته نفرتاري تتردد على المعابد تترجى الآلهة هي الآخرة كي يعيش أبناؤها. فنراها في شكل (136) تقدم الزهور والفواكه للآلهة ( خنوم وسانت وعنفت ). وفي منحوتة أخرى نرها أمام أله ( تحوت ) وفي آخر نراها تقدم الزهور للإلهة (حتحور) على هيئة البقرة وفي منحوتة أخرى رُسمت وهي تقوم برقصة طقسية ويقدم أحد الكهنة حزمة من سنابل القمح للثور ( كاحج) (أحد مظاهر الإله "مين" ) ثم تماثيل الملوك الأسلاف في أسفل الصورة والثور كاحج يمثل القوة والفتوة والشباب، وليس من تفسير لوضع هذه الرسوم في لوحة واحدة إلا أنها تترجى الآلهة أن يكون أبناؤها في مثل قوة وفتوة الثور كاحج ليعيشوا ويصبح لها من أبنائها ملوكاً مثل ما كان للأسلاف.

                              رمسيس الثاني يقوم بقتل أحد الأسرى بالبلطة
                              ونلاحظ في كل هذه الصور أن رمسيس الثاني كان يتخير هو وزوجته الآلهة التي لها علاقة بالخصوبة والأمومة والشباب والقوة وهي التي يمكن أن تحقق لهما مطلبهما، فالإله (مين) هو الإله الأكبر الذي كان يعبد في منطقة أخميم وطيبة وأرمنت، وكان يمثّل وعلى رأسه ريشتان عاليتان، رافعاً ذراعه الأيمن وقابضاً على السوط المثلث الفروع ويمثل واقفاً منتصباً إذ كان يعتبر إله الإخصاب الذي يسرق النساء وسيد العذارى كما أن الأساطير تروي أنه قد أخصب أمه !! وكان يعتبر أيضاً إلهاً لخصوبة الأرض ويُعبد ليكون المحصول وافراً، كذلك كان اختيار نفرتاري للإلهة (حاتحور) لتتعبد لها، فهي سيدة الإلهات، وهي إلهة الحب وهي الإلهة الطروب المحببة عند النساء وكانوا يسمونها (الذهبية ) ودعاها اليونانيون ( إفروديت). وكانت النسوة يحتفلن بها بإقامة حفلات الرقص والغناء واللعب بالصاجات والشخشخة بقلائدهن وبالعزف على الدفوف، وهي أم لابن إلهي هو (إيجي) بل وهي أيضاً رمز للأمومة وكثرة الأبناء، وقد أطلق الشعب على بناتها (الحاتحورات السبع) واللاتي كن يحمين الأطفال ويتنبأن بمستقبل كل مولود جديد.
                              كذلك كان تعبّد رمسيس الثاني للإلهين ( تحوت ) و(أمون) ولعله باختياره هذين الإلهين كان يتمثل في ذهنه قصة ولادة الملكة حتشبسوت والقصة تقول ( أدولف إرمان. ديانة مصر القديمة ص 64) إن الإله آمون أراد أن ينجب ملكاً وطلب من الآلهة أجمعين حماية الملك المرتقب.. وتخيّر آمون المرأة التي يريد الإنجاب منها وهي زوجة تحتمس الثالث فتقمص شكل زوجها الملك تحتمس وقاده تحوت إلى الملك فحبلت منه وأعلن (آمون) أن ابنته حتشبسوت ستشغل أعلى منصب في البلاد وتستمد من روحه وقوته وسوف تحكم القطرين.
                              وقصة أخرى مكتوبة تقول بأن (بتاح تاتنن) قد أكد لرمسيس الثاني، " لقد تقمصت صورة تيس منديس، واضطجعت بجانب أمك الجميلة لكي تلدك وأصبحت أعضاؤك كلها إلهية" ، وهذه القصة مدونة فوق جدران معبد أبي سمبل الذي بناه رمسيس الثاني، و(التيس ) هنا رمز الخصوبة ولعل رمسيس الثاني كان يطلب من الآلهة أن يتقمص أحدها جسده، حتى ينجب من زوجته نفرتاري ابناً إلهياً لا يموت ويعيش حتى يصبح الوريث للعرش ويعتليه !
                              مقبرة نفرتاري:
                              ولعل رمسيس الثاني شعر بما تعانيه زوجته المحبوبة ( نفرتاري ) من آلام نفسية نتيجة وفاة أولادها المتكرر. الواحد وراء الآخر، فأراد أن يخفف عنها ويعوضها عن ذلك فزاد من حنانه بها، وأراد أن يشعرها أن هذا الأمر لا دخل لها به ولم ينتقض من قدرها عنده فبنا لها ما يمكن اعتباره أجمل مقبرة بنيت لملكة من الملكات فهي تمثل إبداعات الفنان المصري القديم، فليس هناك مقبرة في مصر كلها على درجة من التفوق الفني تقارن بمقبرة الملكة نفرتاري، فالرسوم الرائعة تزين حوائطها، وقام الرسامون بالإبداع في استخدام الظلال وإبراز الأضواء. ورسموا الملكة في وقفة أنيقة بقوامها الرشيق ترتدي رداء شفافاً فضفاضاً، من اللون الأبيض يكشف عن ساعديها وقد ربطت الرداء بشريط معقود يتدلى طرفه أسفل صدرها، وتضع الملكة على رأسها تاجاً من الذهب على هيئة طائر، وقد تزينت بالعديد من الحلي مثل الإفراط والأساور والعقود، ووضعت مساحيق الزينة على وجهها.
                              وقد تم الكشف عن مقبرتها عام 1904 بواسطة الإيطالي (إسكيا باريللي) الذي حالفه الحظ بالعثور عليها بعد أن طمرت تحت الرمال بفعل الزمن وكان لصوص المقابر قد سبقوه إليها وسرقوا كنوزها ولم يتركوا وراءهم سوى غطاء التابوت الذي يحمل اسم (نفرتاري) – وقلادة الملكة وحذائها وبعض التماثيل الصغيرة، وجزءاً من جثمانها عبارة عن الساقين - ولعل الكهنة قد أهملوا في عملية التحنيط فتحللت الجثة ولم يبق منها غير الساقين إذ ليس من المعقول سرقة أجزاء من الجثة، وقد شحن هذا كله في باخرة إلى تورينو، حيث بُني هناك ما يعتبر أول متحف للآثار المصرية في العالم ( متحف تورينو) وإذا عدنا إلى المقبرة ذاتها نجد أن سقف المقبرة يمثل القبة الزرقاء، وما فيها من نجوم لامعة، وقبل الوصول إلى حجرة الدفن توجد قاعة فيها منضدة ليوضع عليها القربان، وعلى الجدران نقوش دينية من كتاب الموتى، ثم صورة الملكة راكعة تتعبد للشمس، كما يُشاهد الإله ( تحوت ) في صورة الطائر مالك الحزين، وعلى جدران أخرى نشاهد صوراً للملكة أمام عدد من الآلهة: الإله (أوزير) إله الآخرة، و(حوارختيى) إلهة الغرب. وتُرى الإلهة (إيزيس) تأخذ بيدها وتقودها أمام الإله (خبر) إله الشمس، وصورت الملكة تتعبد للعجل المقدس وللبقرات السبع الإلهية.
                              وفي متحف بروكسل توجد قطعة من تمثال لهذه الملكة مكتوب عليها بعض ألقاب نادرة مثل الأميرة الممدوحة كثيراً، سيدة الرشاقة، راحة الحب، ماهرة اليدين في الضرب الصاجات، الحلوة الحديث والغناء، زوجة الملك العظيمة ومحبوبته ( نفر تاري مرنموت) العائشة مثل الشمس أبداً ( مصر القديمة – سليم حسن: جـ 6 ص 433).
                              ثاني الزوجات:
                              تزوج رمسيس الثاني – بعد حوالي 8 سنوات من زواجه بنفرتاري وكان قد بلغ 24 عاماً تقريباً – تتزوج من ثاني زوجاته وهي (إست نفرت ) ولعله كان يرجو منها الولد، ولكن تكررت المأساة معها هي الأخرى، يولد الأبناء ويموتون في سن مبكرة، وليس أدل على ذلك من أن مرنبتاح كان ترتيبه الـ 13 في الأمراء، وتوفي الـ 12 الذين كانوا قبله وأصبح هو ولي العهد.
                              وحدث بعد 6 سنوات من زواجه الثاني – أي كان عمره حوالي 30 عاماً – وكان قد بنى عاصمته الجديدة ورعمسيس وكانت تقع غير بعيد من بعض مساكن لبني إسرائيل، وكان قصر الفرعون يقع على بحيرة متصلة بفرع النيل وتصادف أن كانت ( إست نفرت ) تلهوا على شاطئ البحيرة فرأت تابوتاً طافياً على صفحة الماء لم يلبث إلا أن توقف عند حزمة من نبات الوادي على شاطئ البحرية فأمرت جواريها بالتقاطه وفتحته فوجدت فيه طفلاً جميلاً مال قلبها إليه بشدة فتعلقت به ورجت زوجها رمسيس الثاني إعفاءه من أمر الذبح الذي كان قد أصدره { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } [القصص: 9]. وإكراماً لخاطر زوجته ولشعوره بأنه قد حرم الولد من زوجاته لم يمانع في تبني هذا الطفل – وإن كان على كره منه إذ كان يرجو الولد من صلبه – وكان الطفل الملتقط من الماء هو ( موسى) كما سيجيء فيما بعد.
                              وتمر السنون حتى إذا بلغ موسى من العمر 5 سنوات زالت ( اللعنة ) التي لازمت الفرعون في السنوات الأولى بعد زواجه، ويحدث ذلك طبياً إذ زادت الأجسام المضادة في الجسم فيموت الفيروس الذي كان يسبب وفاة الأطفال الرضع، وبدأ أبناء رمسيس الثاني يعيشون. وبارك الله في أرحام نسائه: زوجتيه – نفرتاري وإست نفرت – ومحظياته وسراريه فولدن له العشرات بنيناً وبنات حتى بلغ عدد أبنائه على ما ورد في التسجيلات 111 ولداً و76 بنتاً !
                              لقد اتخذ البعض من هذا العدد الهائل لأبناء رمسيس للقول بأنه ليس هو فرعون موسى. لأن فرعون موسى كان (عقيماً ) وقد اضطر إلى تبني موسى عند التقاطه من النهر، وقد أوضحنا خطأ ما ذهبوا إليه إذ لم يكن رمسيس الثاني عقيماً بل كان أبناؤه يموتون فور ولادتهم ثم – بعد أن تمت إرادة الله في إعفاء موسى من الذبح وتبنّيه رُزق الكثير من الأبناء، ولعلها من سخرية القدر أن قدّر أن يكون له هذا العدد الضخم من الأبناء يضطر في أوائل عمره أن يتبنى طفلاً – وأي طفل ؟ موسى ! الذي حذرت النبوة من أن هلاكه سيكون على يديه، وتتم مشيئة الله وينقذ قدره: { وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [القصص: 6].
                              العاصمة الجديدة، بررعمسيس:
                              في أول حكمه كانت العاصمة في (طيبة) ولكنه بعد سنوات قليلة بدأ في إنشاء عاصمة جديدة سماها ( بررعمسيس مرى آمون) أي ( بيت رمسيس محبوب آمون).
                              وقد اختلف علماء المصريات حول موقع المدينة رأي يقول إنها في تانيس (صان الحجر ) على الفرع التانيسي للنيل 20 كيلو متراً جنوب بحيرة المنزلة، وقد وجد العالم ( مونتييه ) عدداً من التماثيل واللوحات تحمل خراطيش رمسيس الثاني وخلفائه، ومنها وجود نقش على قطعة حجر من معبد تانيس الكبير جاء فيه ( صاحب بررعمسيس. مرى آمون. صاحب الانتصارات العظيمة )، ولكن استقرت آراء غالبية عملماء الآثار على الرأي الثاني وهو أن بي أو بررعمسيس تشمل قنتير الحالية وأفاريس القديمة على مبعدة 9 كيلو مترات شمال شرق فاقوس على مصرف بحر فاقوس الحالي والذي كان مكانه الفرع البيلوزي للنيل وهو آخر الفروع من ناحية الشرق، وقد وجدت أدلة كثيرة تساند هذا الرأي (محمد بيومي مهران. مصر والشرق الأدنى القديم جـ 3 ص 286) مثل وجود بقايا كثيرة في الحقول والمنازل عليها اسم رمسيس الثاني. كما توجد أجزاء لقصر جميل عليها اسمه أيضاً، كما يوجد بقايا معبد للآلهة أمون وبتاح ومسوتخ، كما توجد آثار تحمل بعض أسماء كبار موظفي رمسيس الثاني مما يدل على أن الإدارة الحكومية كانت هناك، كما أن المدينتين (بررعمسيس) و(تانيس) قد ذكرتا في بعض البرديات منفصلتين مما يدل على أن المصري القديم نفسه قد فرق بينهما، أما ما وجد من آثار في تانيس فقد سبق أن قلنا إن رمسيس الثاني لا تخلو مدينة من آثار له.
                              موقع مدينة ( بررعمسيس عاصمة الرعامسة ).
                              وفي وصف هذه العاصمة الجديدة وجد خطاب كتبه أحد الأشخاص يقول فيه: إنني وصلت (بررعمسيس) وقد ألفيتها غاية في الازدهار. حقاً إن موقعها جميل منقطع النظير، وقد أقامها (رع) نفسه، ومقر الملك، تحب الإقامة فيه، فحقوله مملوءة بكل شيء طريف ومجهز بالأغذية الوفيرة يومياً. ومياهه الخلفية تزخر بالسمك، وبركه مزدحمة بالطيور ومراعيه نضرة أعشابها. وطعم فاكهته المغروسة في حقوله كالشهد بعينه، ومخازن غلاله مكدسة بالقمح والشعير وتناهض عنان السماء في ارتفاعها والبصل والكرات في الحقول، وفيها الرمان والتفاح والزيتون والتين في البستان، ويستمر في الوصف ثم يقول حقاً إن الإنسان ليبتهج بالسكنى فيه.
                              ويوجد وصف ثان على بردية أخرى: لقد شيد جلالته لنفسه قلعة اسمها ( عظيم الانتصارات ) بررعمسيس وتقع بين زاهى ( صحراء شرق الدلتا ) وأرض الدميرة ( مصر ) وهي تزخر بالطعام والمؤن، والشمس تشرق في الأفق منها ثم تغرب ثانية فيها، وقد هجر كل إنسان بلدته وسكن في أرجائها، وحيها الغربي هو ( بيت آمون ) وحيها الجنوبي هو ( بيت سوتخ ) والإله (رع) في شرقها والإله ( بوتو) في حيها الشمالي أي أن المدينة كان بها أربعة أحياء وفي كل حي معبد لكل من الآلهة الأربعة السابق ذكرها وفي منتصف المدينة يوجد قصر الملك وبجوراه بحيرة تتصل بقناة تأخذ مياهها من الفرع البيلوزي للنيل وكانت البحيرة خاصة بعائلة الفرعون، وكان القصر الملكي يرتفع فوق ما حوله من أرض وله أعمدة حجرية وحوائطه مبنية بالطوب اللبن ولكنها مغطاة ببلاط من خزف عليه زخارف ورسومات وكانت الرسومات في قاعة العرش تصور الأسرى من الأعداء والوفود الأجنبية وهي تقدم الجزية وأسود تأكل المساجين كل ذلك مما يبعث الرهبة في نفوس الزائرين أما الجزء المخصص للحريم فكانت زخارفه مناظر مبهجة مثل الأزهار والأسماك الملونة وعذارى مسترخيات كل ذلك بألوان جميلة مثل التركواز واللازورد والقرمزي وحول القصر وإلى الشمال الغربي يوجد حي لعظماء القوم من الأفراد والكهنة والوزراء. وكان بالمدينة حديقة حيوان وقد وجدت عظام أسود وغزلان وزراف وفيلة، ثم خارج ذلك كله توجد ساحات لمران الجند وثكنات لإقامتهم ومباني الإداريين ومباني للمخطوطات والسجلات ومساحات للأسواق وميناء ومخازن للقمح ومستودعات للأغذية والنبيذ. كل ذلك يعكس النشاط والازدهار التي كانت عليه المدينة وقد بقيت فترة الازدهار مدة طويلة بعد رمسيس الثاني ولكن بعد ذلك بدأ فرع النيل البيلوزي يغيّر مجراه في اتجاه الشمال وبَعُد عن المدينة ففقدت بررعمسيس رونقها وأهميتها، واتخذ ملوك الأسرة 21 من تانيس عاصمة لهم وبدلاً من قطع أحجار جديدة من المحاجر البعيدة نسبياً فإنهم أخذوا أحجاراً لمبانيهم من المباني التي كانت مقامة في بررعمسيس واستعملوها في بناء معابد عاصمتهم الجديدة ولعل ذلك هو سبب الخلط بين المدينتين وأيهما بررعمسيس التي كانت عاصمة رمسيس الثاني، إذ أن الأحجار التي أخذت لبناء تانيس كان على كثير منها اسم رمسيس الثاني. بل إن فراعين الأسرة 21 نقلوا عدداً كبيراً من المسلات التي كان رمسيس الثاني قد أقامها في بررعمسيس وكانت تبلغ 24 مسلة أو تزيد وكذلك نقلوا عدداً كبيراً من تماثيله وتكسر بعضها أثناء نقله فتُرك مكانه. ولذلك فإن ما بقي من آثار في قنتير هو عبارة عن حطام معابد ومسلات وقصور ولكنه يشير إلى العز الذي رأته هذه المدينة في عهد رمسيس الثاني.

                              تخطيط لمدينة بر رعمسيس (نقلاً عن كتاب فرعون المنتصر ـ تأليف كتشن ـ مع بعض التعديلات)
                              وإلى الجنوب الشرقي من المدينة كانت تقع أفاريس القديمة وهي تقع على حافة أرض جوشن ( جاسان) التي كان يقطنها بنو إسرائيل، وكان في أفاريس بعض بيوت للعمال من بني إسرائيل الذين كانوا يعملون في المباني والإنشاءات في بررعمسيس.
                              وأفاريس القديمة هي المعروفة في التوراة باسم صوعن Zoan والمذكور ( عدد 12: 22) أن مدينة حبرون بنيت قبلها بسبع سنين وكانت من مراكز عبادة الإله ست ( مسوتخ ) وقد أقام سيتي الأول فيها معبداً للإله ست وسّه فيما بعد رمسيس الثاني ولما بنيت بررعمسيس لتشمل المنطقة من شمال قنتير إلى أفاريس أصبح معبد سوتخ في جنوب القصر الملكي.
                              وفي أسباب اختياره لهذا المكان للعاصمة الجديدة قالوا إنها تقع في موطن أسرته الأصلي، وفي موضع قريب من بقية أملاك الإمبراطورية في آسيا. ومنها البعد عن نفوذ كهنة آمون في طيبة بعد أن زاد سلطانهم، وأخذوا يتدخلون في شؤون الدولة السياسية والاقتصادية وقد أصاب ذلك طيبة بهزة عنيفة في مركزها السياسي وإن ظلت تحتفظ بمكانتها الدينية.
                              ولما كانت العاصمة الجديدة قريبة من أرض جوشن – مكان إقامة بني إسرائيل فقد كان من الطبيعي أن يستخدمهم في بناء المدينة، وهذا ما أشارت إليه التوراة ( إصحاح أول خروج: 11) إذ تقول: فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم فبنوا لفرعون مدينتي مخازن فيثوم ورعمسيس وجاء في تفسير الكتاب المقدس ( ص 406) عن بررعمسيس: هي مدينة في أخصب منطقة في البلاد، وهذه المنطقة اسمها أرض جاسان سكنها بنو إسرائيل بأمر من فرعون ( أيام يوسف عليه السلام ) وبنى رمسيس الثاني في حدود مصر الشرقية وسماها باسمه.
                              المصدر: كتاب موسى وهارون عليهما السلام من هو فرعون موسى؟ تأليف الدكتور رشدي البدراوي الأستاذ بجامعة القاهرة
                              إلهي: أذقني طعم عفوك يوم ***لا بنون ولا مالَ هناك ينفع


                              تعليق


                              • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                                معجزة علمية للحبيب صلى الله عليه وسلم
                                الرسول صلى الله عليه وسلم
                                والأشعة الحمراء والفوق بنفسجية
                                فهذا الموضوع الغريب بحث فيه منذ أربع سنوات " طبيب عربي " حتى أثبته
                                ويقول في بحثه " فأنا طبيب عيون وقد تعمقت كثيراً في حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:
                                "
                                إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا"
                                ومن هذا الحديث يتضح لنا:
                                أن قدرة الجهاز البصري للإنسان محدودة ...وتختلف عن القدرة البصرية للحمير ...
                                والتي بدورها تختلف في قدرتها عن القدرة البصرية للديكة...
                                وبالتالي فإن قدرة البصر لدى الإنسان محدودة لا ترى ما تحت الاشعة الحمراء
                                ولا ما فوق الاشعه البنفسجية ...
                                لكن قدرة الديكة والحمير تتعدى ذلك!!!
                                والسؤال هنا ؟
                                كيف يرى الحمار والديك الجن والملائكة ؟
                                الجواب هو:
                                أن الحمير ترى الأشعة الحمراء والشيطان وهو من الجان خلق من نار أي من
                                الاشعه تحت لحمراء!! لذلك ترى الحمير الجن ولا ترى الملائكة ...
                                أما الديكة فترى الأشعة البنفسجية والملائكة مخلوقة من نور أي من
                                الأشعة البنفسجية لذلك تراها الديكة ..
                                وهذا يفسر لنا لماذا تهرب الشياطين عند ذكر الله ...
                                والسبب هو لأن الملائكة تحضر إلى المكان الذي يذكر فيه الله فتهرب الشياطين!!
                                وهذا يذكرنا بالمثل الذي يقول:
                                (إذا حضرت الملائكة ذهبت الشياطين)
                                والسؤال ؟
                                لماذا تهرب الشياطين عند وجودالملائكة ؟
                                الجواب : لأن الشياطين تتضرر من رؤية نور الملائكة ...
                                بمعنى آخر: إذا اجتمعت الأشعة الفوق بنفسجية والأشعة الحمراء في مكان
                                فإن الأشعة الحمراء تتلاشى !!!!!
                                المهم في موضعنا بل الأهم هو:
                                عن ابن عباس وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
                                ( كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء)
                                عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:
                                (رأيت الملائكة تغسل حمزة بن عبد المطلب وحنظله ابن الراهب )

                                عن انس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:
                                ( رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذى نفسي بيده إني لأرى
                                الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف)
                                والحذف هي الأغنام السوداء الصغيرة
                                هذه الأحاديث الثلاثة تبين لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمتع
                                بميزة وهي:
                                في الحديث الأول / أنه كان يرى بالليل كرؤيته بالنهار ...
                                وهذا ما توصل إليه العلم بعد 1420 عام !!!!!

                                وذلك عن طريق المناظير الليلية التي ترى بالليل ...ورغم ذلك فإن الرسول يتفوق بصرياً على هذه المناظير ...لأنه كان يرى بالليل بكل وضوح كرؤيتنا نحن بالنهار
                                أما المناظير الليلية المصنوعة الآن فإنها لا ترى بالليل بشكل واضح ...فأكثر هذه المناظير تكون فيها الرؤيا ذات لون واحد ...
                                أخضر أو أحمر مثلا ....
                                أما في الحديث الثاني / وهو رؤيته للملائكة ...فهذا يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى الأشعة الفوق بنفسجية ...وإلى الآن وبعد 1420 عام لم يتمكن العلم من اختراع جهاز يرى الأشعة الفوق بنفسجية وإلا لكانوا رأوا الملائكة
                                أما الحديث الثالث/ فأعتقد أنه قد أتضح لكم ولا يحتاج لشرح ...
                                قال تعالى (فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد ) الآية..
                                قال تعالى في وصف حور العين ( وعند هم قاصرات الطرف عين) الآية..
                                حابسات الأعين عن أزواجهن فقصرت أبصارهن على أزواجهن لا يمددن طرفاً إلى
                                غيرهم والعين- النجل العيون ...
                                توضيح علمي
                                عندما أجتمعت كلمتا قاصرات وعين في آية واحدة تبادر إلى ذهني موضوع قصر النظر وهى الحالة التي لا يرى المصاب بها إلا عن قرب وكبر حجم العدسة هو أحد الأسباب الهامة لقصر النظر الذي في نفس الوقت يضفى لصاحبته حسنا وبهاء وقصير النظر لا يستطيع رؤية الأشياء البعيدة بوضوح بدرجة تتفاوت بتفاوت شدته.
                                الإسراء والمعراج بالروح والجسد و البصر الخارق( بصر حديد)
                                قال تعالى لنبيه الكريم
                                ( فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد) كل إنسان يوجد على بصره غطاء يمنعه من رؤية أشياء كثيرة ..وبعد الموت يصبح بصر الإنسان قويا بعد أن يزاح هذا الغطاء عن العين ..عندها سيرى كل شيء الجن والملائكة وغير ذلك ..والرسول صلى الله عليه وسلم كان لديه بصر حديد وكما ورد في الآية
                                فإن الله أزاح عنه هذا الغطاء ليرى كل شيء (فبصرك اليوم حديد) فكان يرى الملائكة ...وكان يستطيع رؤية المصلين من وراءه:
                                (أقيموا الركوع والسجود فوالله أنى لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم) رواه البخاري ومسلم
                                وكان يرى بالليل بوضوح كما يرى بالنهار في الضوء ...
                                وكأن بصر الرسول صلى الله عليه وسلم هو نفسه بصر أي شخص منا بعد الممات
                                أي بصر حديد قوى ونافذ ...وهو ليس بصر الجسد الحي الضعيف ...
                                قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الروح إذا قبض تبعه البصر)
                                أفهم أن الروح مفصولة عن البصر ويتبعها البصر أين ما ذهبت... وكأنه جهاز مستقل بذاته ...والبصر هنا هو البصر الخارق (حديد) مكشوف عنه الغطاء ...

                                لا اعتقد أن عين الميت هما الناظرتان للروح فتتبعانها ...لانهما أصبحتا غير مبصرتين لكي تتبعان الروح .. و لأنه قد ماتت الخلايا العصبية التي تستقبل الصورة وترسلها إلى المخ البصر العادي لدى الإنسان لا يرى الملائكة والجن ( وهو نفس البصر الحديد لكن مغطى عليه بالغطاء)

                                وعندما يزاح هذا الغطاء عند الموت سيرى الميت كل شيء ...حتى أنه يرى روحه وهي تطلع... وأحياناً يزاح هذا الغطاء قبل ألموت بدقائق أو ساعات ...لذلك نسمع من البعض الذين هم على فراش الموت أنهم يرون الملائكةأو أنهم يرون الجنة إن كانوا صالحين ..!!!!!
                                قال تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) الآية..
                                والمقصود هنا بالبصر هو البصر الخارق ...
                                الذي أستطاع به الرسول صلى الله عليه وسلم رؤية الملائكة وعجائب الأمور في
                                الإسراء والمعراج...
                                إذاً الإنسان يحتوى على جسد وروح وبصر مغطى عليه ...
                                وعندما يموت يتبقى لديه روح وبصر حديد يتبع الروح ...

                                والرسول صلى الله عليه وسلم بشر ...يملك جسد وروح وبصر لكن غير مغطى عليه ( بصره حديد في الدنيا ) والرسول صلى عليه وسلم إن كان أسري به بالروح فقط كما يقول البعض ...فمعنى هذا انه لم يرى شيء ...لان الروح لا ترى... و هذا إثبات انه صلى الله عليه وسلم لم يسرى به بالروح فقط ...ولكن أُسرى به بالروح والجسد والبصر المكشوف عنه الغطاء (بصر حديد) أستطاع به أن يرى الملائكة وأستمرت قوه أبصاره كذلك وهو في الأرض ... وكان كذلك قبلها ...

                                المعروف أن البصر العادي الذي نرى من خلاله ...هو الذي يتكون من العينين*وعصبين بصريين* وامتدادات إلى خلف المخ وهناك بصر يتبع الروح مفصول عنها وهو البصر الحديد ...(لا ندرى مما يتكون لأنه إلى الآن غير مرئ)
                                وعند الموت وأحيانا قبله ينتهي عمل البصر العادي الذي نرى من خلاله
                                ينتهي تماما ...وعند موت البصر العادي ينشط البصر الحديد المكشوف عنه الغطاء
                                وأول ما يقوم به هذا البصر الحديد هو تتبع الروح ...
                                قال تعالى (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) الآية...
                                لاحظوا أن البصر الحديد ينشط بعد موت صاحبه..أي أن البصر الحديد موجود لدى كل شخص منا منذ أن يولد... لكنه يعتبر نائم ولا يستيقظ إلى عند خروج الروح إلى بارئها ...
                                والسؤال هنا
                                هل يستيقظ البصر الحديد ونحن أحياء ؟؟؟
                                الجواب :
                                أن البصر الحديد يستيقظ "ينشط" ألاف المرات خلال حياتنا ...بل كلنا قد رأينا من خلال هذا البصر تقريبا كل ليلة ... رأينا الكثير من الأشياء من خلال هذا البصر ...
                                وكلما زاد صلاح المرء وورعه وزهده في الدنيا ...زادت في المقابل قوة إبصاره من خلال البصر الحديد ...وعليه نستطيع أن نقول أن أقوى بصر حديد لإنسان بعد الأنبياء هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ...
                                فهل عرفتم متى يستيقظ "ينشط" هذا البصر الحديد ؟
                                إنه يستيقظ عندما ننام !!!
                                أنا لا أتحدث هنا عن الأحلام بل عما نراه ونحن نحلم ...
                                ولأبسط المسألة أقول :
                                إن كنت رأيت في أحلامك الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد الأنبياء عليهم
                                الصلاة والسلام او الصحابة ...أو رأيت ملائكة ...أو شياطين ... أو رأيت الجنة أو النار أو يوم القيامة ... أو رأيت شخص تعرفه .. توفي منذ زمن .. أو أو أو أو ...
                                فعندها تكون قد استخدمت بصرك الحديد ...
                                لا حظوا قول ذلك الصحابي للرسول أنه في منامه رأى أن رأسه يتدحرج أمامه
                                وهو ينظر إليه ...
                                لو ركزنا فيما سبق سنجد أن البصر العادي يستيقظ "ينشط" عندما نكون أحياء
                                ويموت "ينتهي" عندما نموت ..!!
                                أما البصر الحديد ينام عندما نكون مستيقظين ويستيقظ عندما ننام ...
                                كما أنه يستيقظ اليقظة الأخيرة منذ تطلع الروح أو قبلها بفترة بسيطة
                                وهي اليقظة التي لا يغفو بعدها أبدا ...
                                اللهم أجعل أبصارنا تنعم برؤيتك وجهك الكريم ... (آمين)
                                قال تعالى:
                                ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحي أو من وراء حجاب)
                                أي إن الله سبحانه وتعالى لم يكلم أحد من الأنبياء إذا استثنينا موسى عليه السلام ...
                                إلا بطريقتين:
                                أما عن طريق جبريل عليه السلام
                                أو من وراء حجاب
                                فما هو هذا الحجاب ؟؟
                                إنه البصر الحديد الذي ينشط عند النوم
                                ومن هنا نعلم سبب قول الرسول أن رؤيا الأنبياء حق ...فبصرهم الحديد الذي زادت حدته جداً باعتبارهم أنبياء وصفوة الخلق ..حتى رأوا الله سبحانه وتعالى - حتى إن لم يروه جهاراً- فيكفي أنهم رأوه وكلمهم لنعلم مدى قوة بصرهم الحديد ...
                                وهذا يعيدنا للقاعدة المذكورة في الأعلى وهي ...أنه كلما زاد صلاح المرء وورعه وزهده في الدنيا ...زادت في المقابل قوة إبصاره من خلال البصر الحديد ...
                                نعود للمعجزة التي كانت في بصر الرسول صلى الله عليه وسلم ...
                                فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يرى ببصر مثل أبصارنا ...بل إنه حتى قبل النبوة كان يرى ببصره الحديد ...والدليل هو رؤيته لجبريل عليه السلام أول مرة في غار حراء ...والأمر الذي لا أعتقد أن البشر مهما وصلوا في العلم قادرون على تفسيره هو قوله صلى الله عليه وسلم :
                                ( أقيموا صفوفكم وتراصوا فأني أراكم من وراء ظهري)
                                وفى حديث آخر (أنى لأراكم من ورائي كما أراكم)
                                فمن يستطيع تفسير هذا الأمر ؟؟
                                أقرب تفسير لهذاالأمر هو :
                                أن بصر الرسول الحديد كان يقع في قلبه ...
                                والدليل قول أنس "أن الرسول كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه"
                                وربما تكون هذه ميزه للرسول وإكراماً له من رب العالمين ...
                                بأن يجعل نبيه يقظاً متنبهاً في نومه وفي استيقاظه ...
                                اللهم صلى وسلم على نبينا محمد واله أجمعين





                                إلهي: أذقني طعم عفوك يوم ***لا بنون ولا مالَ هناك ينفع


                                تعليق

                                يعمل...
                                X