بين سليقة العامية وعدم تكلف الفصحى .. النصف الغائب من القرائية
(1)
ما السليقة؟
يقول المعجم الوسيط في مادة "س ل ق" (1/ 445): [(السليقة): الطبيعة. يقال: فلان يتكلم بالسليقة، أي ينطق بالكلام صحيحا من غير تعلم. و-: الشريحة بين الجنبين. و-: أثر الأقدام والحوافر في الطريق. و-: الطريق الظاهرة.-: وشيء ينسجه النحل في الخلية طولا. و-: الذرة تدق وتصلح وتطبخ باللبن (ج) سلائق وسلق. (السليقي): المنسوب إلى السليقة. و-: العربي الذي ينطق بالكلام صحيحا من غير تعلم، ومنه قول الشاعر:
ولست بنحوي يلوك لسانه *** ولكن سليقي أقول فأعرب].
هذه هي السليقة التي تعني ذلك التعلم غير المباشر الذي يكتسب فيه المرء من بيئته التي ينشأ فيها خصائصها، فما سليقة معلمي اللغة العربية ومدربي القرائية في أثناء تعليمهم مادتهم العلمية اللغوية؟
الجميع يعلم أنها العامية إلا قلة نادرة من المعلمين يؤدون شرحهم بالفصحى.
ما العامية؟
يقول المعجم الوسيط في مادة "ع م م" (2/ 629): [(العام): الشامل. و-: خلاف الخاص. (العامة) من الناس خلاف الخاصة (ج) عوام، ويقال: جاء القوم عامة جميعا. (العاميّ): المنسوب إلى العامة. و- من الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي. (العامية): لغة العامة، وهي خلاف الفصحى].
تلك هي العامية التي لا تعدو كونها حلقة من حلقات محاربة الفصحى بمساندة من الكثيرين.
فما الفصحى؟
يقول المعجم الوسيط في مادة " ف ص ح" (2/ 690): [(فصُح) اللبن يفصُح فَصْحا وفصاحة: خلص مما يشوبه، فأخذت عنه رغوته، وبقي خالصه. و- الرجل: انطلق لسانه بكلام صحيح واضح. ويقال: فصح الأعجمي: جادت لغته، فلم يلحن فهو فَصْح ( ج ) فِصَاح، وهو فصيح (ج) فُصَحاء، وهي فصيحة (ج) فَصَائح ... (تفاصح) في كلامه: تكلَّف الفصاحة. (تفصّح) الرجل: زادت فصاحته. و- في كلامه: تفاصح. (الفصاحة): البيان. و-: سلامة الألفاظ من الإبهام وسوء التأليف ... (الفصيح): يقال: رجل فصيح: يحسن البيان ويميز جيد الكلام من رديئه. وكلام فصيح: سليم واضح يدرك السمع حسنه والعقل دقته. ولسان فصيح: طَلْق يعين صاحبه على إجادة التعبير].
(2)
إذًا، ما دام أمر تعليم اللغة العربية من معلميها ومدربي القرائية معلوم عاميته مقطوع بها- فَلِمَ أكتب هذا المقال؟

أكتبه لأن المعلمين وبعض المدربين حملوا سليقتهم العامية إلى ما لا يجب أن يحملوها إليها في الشرح لمقرر القرائية ولمقررات اللغة العربية.

كيف؟
لقد حملوها إلى الأصوات في أثناء تعليمهم وفي أثناء قراءتهم موضوعات القراءة والنصوص؛ مما أدى إلى نشوء المشترك الصوتي الذي لا تعرفه اللغة.
كيف؟
تعرف اللغة ثلاثة ظواهر هي: الاشتراك أو المشترك اللفظي الذي تنبني عليه استراتيجية "المعاني المتعددة"، والترادف أو المترادف، والأضداد.
ما طبيعة هذه الظاهر اللغوية الثلاثة؟
الاشتراك هي دلالة الكلمة على أكثر من معنى، وتكون الكلمة مشتركة بين هذه المعاني ككلمة العين التي تدل على الجارحة والبئر والجاسوس وغير ذلك، والأضداد جزء من المشترك بطبيعة خاصة هي الدلالة على المعنى وضده ككلمة جلل التي تدل على الحقير والعظيم، والترادف هو اشتراك المعنى في أكثر من كلمة أي دلالة أكثر من كلمة على المعنى نفسه كالغضنفر والليث وأسامة وغير ذلك على الأسد الحيوان المعروف.
والاشتراك يبدأ في اللغة من المستوى الصرفي، فتوجد صيغة تشترك في أكثر من باب صرفي كصيغة "فعيل" التي قد تدل على المصدر كما في كلمة رحيل وصهيل، وقد تدل على الصفة المشبهة كما في كلمة جميل وكبير، وقد تدل على صيغة المبالغة كما في كلمة رحيم وخبير، وقد تدل مجازا على صيغة أخرى مثل كلمة قتيل التي تعني "مقتول" وذبيح التي تعني "مذبوح"، وقد تنقل إلى باب العلمية مثل نبيل، وهكذا.
ويستمر - أي الاشتراك - في المستوى النحوي مثل مصطلح "المفرد" الذي يعني في الكم ثلثا من ثلاثة أثلاث يكملها المثنى والجمع بأنواعه، وفي أبواب الخبر والنعت والحال يكوّن ثلثا ثلثا من ثلاثة أثلاث يكملها الجملة وشبه الجملة، وفي باب "لا النافية للجنس" يكون ثلثا من ثلاثة أثلاث يكملها المضاف والشبيه بالمضاف.
ويصل الاشتراك إلى المعجم والدلالة كما مثلتُ في صدر المقال بكلمة العين.
هذه صور المشترك في اللغة، وله أسبابه التي يبحثها فقه اللغة. وليس من بين هذه الصور صورة في المستوى الصوتي المستوى الأول في مستويات اللغة.
لِمَ؟
لأن الصوت مفرد يدل على وحدة واحدة كما تدل استراتيجية "التلاعب بالأصوات".
قد يقول قائل: إن هناك تعددا في الأصوات، مثل صور النون المخفاة والمدغمة والمظهرة.
وجواب ذلك يسير؛ فهذا ليس اشتراكا فهي في كل صورها نون يوجد منها مخرج أو صفة أو كلاهما على وفق ما بعدها من حرف مماثل أو مجانس أو مقارب أو متباعد؛ فهي PHONE، والبقية ALLOPHONE.
هذا في اللغة.
لكنك إن راقبت الكثرة الكاثرة من المعلمين واستمعت إلى بعض مدربي القرائية- فإنك ستجد المشترك الصوتي موجود مستعمل على الرغم من التنبيه المتكرر في الأدلة الإرشادية على وجوب تدريب التلاميذ على الأصوات المتقاربة المخرج أو الصفة حتى لا يخلطوا بينها؛ مما يقتضي أن يتكلف المعلم والمدرب نطق الصوت من مخرجه وبصفته حتى تتمايز الأصوات، فهل يتكلفون مخالفة سليقتهم العامية؟
لا، لا يهتم كثير من المعلمين وثلة من المدربين بإخراج الحرف من مخرجه فيجعلون الذال زايا، فيصير صوت الزاي "ز" مشتركا بين "الذال والزاي". ويجعلون الثاء سينا، فيصبح صوت السين مشتركا بين "الثاء والسين". ويتكرر مع الأزواج المتناظرة من الأصوات.
يحدث هذا على الرغم من وجود استراتيجية "التلاعب بالأصوات" التي تحافظ على الوحدة الصوتية وتمنع الاشتراك الصوتي.
ولا يقتصر الأمر على ما يتصل بالمخرج بل يمتد ليشمل الصفات.
كيف؟
لا يهتمون بالصفات فيجعلون الجيم جيما قاهرية ويحرمونها صفة الانتشار الجزئي، ويفخمون الحاء، وقد يرقق بعضهم الخاء و... إلخ.
لماذا يفعلون ذلك؟ هل ينحصر السبب في حديثهم السيلقيّ العاميّ؟
لا.
لماذا؟
لأنهم لا يحاولون تكلف أداء الفصحى في ذلك؛ فقد يُنبَّهون لكنهم لا يهتمون، أو يهتمون ولا يقاومون سليقتهم العامية التي تخالف الفصحى بإسقاط مخرج " ث ذ ظ" وتحريكه إلى المخارج الشبيهة.
(3)
ولم يقتصروا على الأصوات بل امتد الأمر إلى الكلمات، ومنها كلمات تتكرر كثيرا مثل كلمة "صَوْت" التي ينطقها الكثيرون بضم الصاد "صُوت"، فيقلبون الواو اللينة غير المدية الساكنة المفتوح ما قبلها واوا مدية بعد ضم ما قبلها. وقد حدث أن نُبِّه أحدهم، لكنه ظل سادرا في لفظه العاميّ غير عابئ بخطئه.
ومنها كلمة "اللغوية" في مصطلح "الحصيلة اللغوية" التي يفتح المعنيون لامها على الرغم من تكرار التنبيه، ويظنون من يعيد التنبيه يعرقل جريان الدرس.
ومنها الاستعانة بالكلمات الإفرنجية في التعزيز، فيقولون: برافو BRAVO، أو GOOD، أو غير ذلك من تعبيرات أو كلمات تحفيزية- على الرغم من وجود الكلمات والتعبيرات العربية التحفيزية؛ فكلمة "مَرْحى" تقابل BRAVO أو GOOD، وكلمة "بَرْحَى" تقابل الضد BAD، ومن التعبيرات: أحسنت، أو جزاك الله خيرا، أو غير ذلك.
يحدث هذا على الرغم من أن الأدلة الإرشادية والدورات التدريبية تنص على أن من مبادئ القراءة: المفردات والحصيلة اللغوية التي يعتمد عليهما الفهم، وتبنى عليهما الطلاقة.
(4)
وليست الأخطاء الصوتية والمفرداتية هي السبب فقط لكتابتي هذا المقال؛ فهناك سبب آخر أراه ضروريا لعلاج السبب الأول.

ما هو؟

إنه التكلف لاعتياد الفصحى؛ فإن الْتُزِمَت الفصحى فإنها ستحمل القرائية إلى حيث يريد الجميع، ولا أدري لم تتأخر وزارة التربية والتعليم في فرض التحدث بالفصحى داخل المدارس، أو فرضها داخل حصص اللغة العربية، وجعل ذلك معيارا من معايير تقويم المعلم حتى تحمله حملا على أن يحمل نفسه حملا على مخالفة عاداته العامية ويتحدث بالفصحى ويتواصل بها مع تلاميذه وطلابه.

وإن مما يحبذ هذا الفرض اللازم تجربة الدكتور عبد الله مصطفى الدنان التي نافت على ربع قرن أثبتت فيه النتائج الفارقة لمصلحة اعتماد الفصحى لغة تعليم وتعلم حتى نتخلص من هذا المستوري المزري لخريجي اللغة العربية، وحتى تتحسن نتائج القرائية التي تثبت الاختبارات القومية تدنيها.

وقد فصل التجربة الأستاذ أيمن بن أحمد ذو الغنى في مقالته (سبيلنا إلى نهضة علمية وتعليمية راقية) في الألوكة على الرابط الآتي: http://www.alukah.net/culture/0/21559/#ixzz3dxt05hRM

وقد فصل الدكتور الدنان نفسه تجربته على الـYOU TYPE في أكثر من مرئية "فيديو" منها الحلقة التي سجلتها قناة المجد بتاريخ 29/1/2014م في برنامج "ساعة حوار" بعنوان "الفصحى بين النظرية والتطبيق". ومنها "نظرية الدكتور عبد الله الدنان لتعليم الفصحى .. تجربة باسل".
وقد نُفذت هذه التجربة في أكثر من بلد عربي، وقد اعتمدتها وزارة التربية والتعليم في سلطنة عمان وعممتها على مدارسها، فحققت النتائج المتوقعة منها.
فهل تشهد مدارسنا ربيع الفصحى حتى يحقق الهدف الأسمى الذي هو غرس حب القراءة في نفوس التلاميذ؟
أدعو!