معارك الأهمية الوهمية .. الثنائيات الزائفة الفاعلة في المدارس والإدارات التعليمية
(1)
عندما تُجيل نظرك وانتباهك في أحوال المدارس، وتتأمل الظواهر التعاملية الظاهرة وغير الظاهرة- يفاجئك الواقع بثنائيات فاعلة على الرغم من عدم ظهورها في غالب الوقت؛ مما يشعرك بأن هناك عالما سريا يفرض قوانينه. وإن حاولت الوصول إلى المنطلق الرئيس لها فإنك ستجده في هذه المقولة: "لا تكون صورتي مشرقة زاهية إلا إن شوهت صورة غيري، وإن لم تكن هناك منافسة معلنة أو حقيقية".
إذًا، يكون التشويه عملا مقصودا لأشياء في النفس لا في الواقع.
نعم.
لماذا؟
لاستشعار الخطر على النفس وإن لم يكن الواقع كذلك، فيكفي الشعور والوهم لفعل ذلك.
لعل قائلا يقول: إنها المنافسة!
والجواب الواضح: إن للمنافسة صورا ليس من بينها هذه الصورة؛ فصور المنافسة تتركز في بذل الجهد وكل ما في الوسع، وترك التجربة تقرر ما يقدره الله.
أما هذه فشأنها غريب!
كيف؟
لنعش مع بعض هذه الثنائيات لعل الأمر يتضح بعض وضوح!
(2)
ثنائية المؤهل العالي والمؤهل الأقل
لو تأملت أحوال السائقين على الطرق لوجدت أن سائقي الأجرة يعدون الطريق طريقهم.
لماذا؟
لأنهم يروحون ويغدون على الطريق مرارا وتكرارا في اليوم؛ مما يجعلهم يتوهمون ذلك.
ثم إنك ستجد أن سائقي الملاكي وأصحابها يرونه ملكهم هم؛ لأنهم الأرقى. وستجد أن سائقي النقل الكبير الثقيل يعدون أنفسهم أصحابه لا مَنْ سواهم؛ لأنهم الأعظم والأكثر اراتفاعا. وكلهم على خطأ؛ فالطريق مرفق عام لكل الناس!
وستجد الأمر نفسه مع المعلمين في المدارس لا سيما في المرحلة الابتدائية.
كيف؟
ستجد أن منهم أصحاب مؤهلات متوسطة أو فوقها، وأن منهم ذوي مؤهلات عليا؛ فإن استمعت إلى الأولين وجدتهم يتيقنون أنهم أصحاب هذه المرحلة لا مَنْ عداهم.
لماذا؟
لأن هذه المرحلة ينبغي أن ينحصر نتاجها التعليمي في معرفة القراءة والكتابة وأصول الحساب، وهذا يلائمهم ويوافق تدريبهم وتعليمهم. وستسمعهم ينعون التعليم من اللحظة التي سُمح للمؤهلات العليا أن تدخل المرحلة الابتدائية بعد إلغاء معاهد تخريج المعلمين في 1992م؛ فالمؤهل العالي يعطي تفصيلات لا يحتاج إليها تلميذ الابتدائي.
وستجد الآخرين يرون أنفسهم الأرقى تعليما والأرفع مستوى وتأهيلا والأجدر وجودا، وإن تأملت أكثر لوجدت انعكاس ذلك في الأداء والإيحاء للتلاميذ إن لم يكن التصريح وسيلتهم؛ فكلاهما يوحي من طرف خفي بجدارته وعدم جدارة الآخر، وقد يصرح بعضهم إن كان هناك معترك الدروس الخصوصية.
وكلاهما على خطأ؛ فإن هذه المرحلة تلائمهما معا، والفارق يصنعه خبرة المعلم وطريقة التدريس ووسائله.
وإن أدخلنا الحاصلين على الدراسات العلا فإن الأمر سيزداد تعقيدا!
(3)
ثنائية القديم والحديث
القدم مسألة مشهورة في الخدمة العسكرية؛ فمن يسبقك بساعة تكن له سلطة عليك. فهل يختلف الأمر هنا أو في قطاعات أخرى؟
لا.
كيف؟
إن القدامى يربط بينهم شعور البقاء الطويل في الخدمة أو المدرسة، فيستشعرون الخطر من المحدثين في الخدمة أو المدرسة، وتبدأ بينهما المعارك الوهمية لا سيما إن جاءتهم مجموعات مرة واحدة كما حدث في 2011م وما تلاها.
لا أتحدث هنا عما ينشأ من الخدمة من ترتيب إداري كالمعلم الأول الذي يتابع المعلم الأحدث وما يشبهه؛ فهذا أمر مقرر لا شيء فيه، لكنني أتحدث عن حالة يجد فيها القديم نفسه صاحب امتيازات يهبها لنفسه؛ ليرى أنه متميز على الحديث.
مثل ماذا؟
مثل عدم الحضور المبكر إلى الاجتماعات المدرسية، ومثل حق توجيه النصح عالي الصوت قبالة التلاميذ، ومثل الاستحواذ على بعض الأماكن، و... إلخ. يفعل صاحب الخدمة الطويلة ذلك، ويجد الدعم من زملائه مكونين تلك الجبهة، وعندما يتضح الأمر ويبدأ رد الفعل من الجدد يذكرك هذا الأمر بالمصطلح السياسي "الحرس القديم، والحرس الجديد".
(3)
ثنائية نوع التعليم
ما سبق كان محصورا في مساحة مدرسة أو إدارة تعليمية، أو إدارة تعليمية ومدرسة؛ فبعض الموجهين والمتابعين ذوي المؤهلات المتوسطة يستشعرون ذلك مع المتابَعين ذوي المؤهلات العليا، وقد يجدونه مع المعلمين الأعلى تعليما؛ فيرون أن هؤلاء المعلمين يرفضون خبرتهم؛ لأنهم الأعلى تعليما.
لكن الأمر لا يقتصر على ذلك.
كيف؟
ينشأ السابق من وجود فرق تعليمي أو زمني، فهل إن تساوت الأفراد في المؤهل ودخول الخدمة لا يحدث ذلك؟
لا.
كيف؟
يدخل عامل جديد من عوامل معارك الأهمية واستشعارها.
ما هو؟
إنه نوع التعليم وموقع المدرسة.
كيف؟
من يعمل في مدرسة تجريبية يرى نفسه أهم وأفضل من زميله المساوي له في المؤهل ودخول الخدمة لكنه يعمل في مدرسة حكومية عادية، ومن يعمل في المدارس الدولية يرى نفسه أهم ممن يعمل في التجريبية، ومن يعمل في مدارس المستقبل يتيقن التميز، وهلم جرا.
مم ينشأ ذلك؟
من النظرة المجتمعية، ومن فارق الدخل المادي.
كيف؟
إن الدولة تفرق في المعطى المادي بين المعلمين العاملين في الوزارة.
كيف؟
مَنْ يعمل في التجريبي تزداد حوافزه كثيرا عمن يعمل في المدارس العادية، ومن يعمل في مدارس المستقبل تزداد حوافزه عمن يعمل في التجريبي، و... إلخ.
لا يخضع هذا الفارق المادي لمعيار سوى الانتماء للنوع؛ فلو أن معلما انتقل من التعليم العادي إلى التجريبي لزادت حوافزه من فور انتقاله، ولو عاد لقلت حوافزه من فور عودته، وهو هو عندما راح، وهو هو عندما عاد.
(4)
وهكذا تتعدد المتغيرات الصانعة لهذه المعارك الوهمية للأهمية الشخصية التي تذكرك معارك "دون كيشوت" الوهمية مع الأشياء التي لا تصنع إلا المشاكل النفسية التي تستتبع المعارك الحقيقية.